في الأسبوع الماضي عقدت وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع ملتقى الهوية الوطنية، ويعتبر المنتدى ظاهرة إيجابية أتاحت للعديد من الجهات الوطنية التعبير بحرية حول إحدى القضايا الوطنية المهمة. فمن يستعرض أسماء المتحدثين في الملتقى، يجد جمهرة من صناع القرار والمفكرين والمؤثرين في سير أعمال الحكومة، وهذه ظاهرة تستحق عليها وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع جزيل الشكر والامتنان، لاسيما أن اللقاء يأتي في نفس الأسبوع الذي سلمت فيه لجنة التركيبة السكانية عشرات الاقتراحات إلى نائب رئيس الدولة. لجنة التركيبة السكانية واقتراحاتها وملتقى الهوية الوطنية وتوصياته ستواجهما تحديات كثيرة، قبل الخوض فيها إليكم هذه الحقيقة، وهي حقيقة فعلاً لأني عشتها ويعيشها غيري من المواطنين. في أمسية جلست مع أحد الأصدقاء نرتشف القهوة في أحد فنادق الدولة بعد يوم من الأعمال المتزاحمة، وقد قررنا أن نبتعد في جلستنا عن المداولات الفكرية والثقافية وحتى التربوية التي هي تخصصنا وهمّنا، وما ذلك إلا لأنه من حق العقل علينا أن نشغله بأمور بعيدة نوعاً مَّا عن عملنا، ومع مضي الساعة الأولى من جلستنا الودية كنت ألمح بطرف عيني أسرة أوروبية تراقبنا منذ أن جلسنا، وكعادتي لم أتمالك نفسي واستأذنت من صاحبي في التحدث مع تلك الأسرة، وقد رحبوا بي فور توجهي لهم، وهنا عدت إلى صاحبي وقلت له: لقد كسبت منهم مئة درهم، هل تود أن تشاركني فيها! لم يتمالك صاحبي نفسه من الضحك وقال: لكن كيف؟ بمجرد توجهي إلى الأسرة رحبت بهم، وتمنيت أن تكون زيارتهم قد كللت بالنجاح، شكروا لي هذا التوجه وسألوني هل أنت مواطن من دولة الإمارات العربية المتحدة أم مقيم فيها؟ قلت لهم: لحسن حظي أنني مواطن من هذه الدولة، قالوا: هل تسمح لنا بالتقاط صورة تذكارية معك؟ قلت: لمَ؟ فكان جوابهم قاتلاً لي: لقد مكثنا على تراب وطنك أسبوعين ولم نجد فرصة للحديث إلا مع "المهاجرين"، وكان السؤال في أذهاننا: أين هم مواطنو هذه الدولة؟ وهل يشعرون بما لمسناه؟ من باب الدعابة قلت لهم: بما أننا عناصر نادرة في دولتنا، فالصورة ستكلفكم مئة درهم! رحبوا بالفكرة، ولو أنني كنت مازحاً، لكني أردت اختبار جدهم فيما لمسوا، قالوا فعلاً أنتم عناصر نادرة وتستحق أكثر من مئة درهم. بعد التقاط الصورة معي وصاحبي كادت الحسرة تخنقني مما سمعت؛ هل نحن فعلاً عناصر نادرة في مجتمعنا؟ وإن كان الواقع كذلك فمن المسؤول عما نحن عليه؟ وما نتائج هذا الواقع؟ أعتقد أن ملتقى الهوية الوطنية وضع إصبعه على الجرح الدامي، ومن تابع كلمات قائد عام شرطة دبي، هذا الرجل ذو الولاء الذي لا يشكك فيه أحد، يدرك ما نحن بصدده. وقد ناقش المؤتمر بعض الأفكار والتوصيات، لكن أرجو أن لا ننسى في أية لحظة من حياتنا أن العالم كله يدرك أن الأغلبية هي من تسيطر ثقافياً واقتصادياً وسياسياً، نعم فما معنى أن يعزف السلام الوطني لدولة الإمارات في مدرسة خاصة أغلبية التلاميذ فيها من الوافدين؟ وهل سندرسهم في المستقبل التربية الوطنية كي نتأكد من انتمائهم إلى الوطن؟! وماذا نفعل باللغة العربية إن كانت الأغلبية رافضة لها؟ المصيبة أن بعض المواطنين لا يؤمن بها ولا يمارسها ويتمنى لو أنها لم تفرض عليه. وفي الاقتصاد كلما أعلن عن مشروع سكني للبيع، لن تفلح أنت كمواطن في شراء شقة فيه لأنه بيع قبل أن يبدأ، وسيطالب هؤلاء بحقوقهم السياسية في القريب العاجل، ففي المؤتمر الأخير الذي نظمه "مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية"، تكلم أحد الخبراء الأميركيين عن فكرة لديمقراطية الخليج، ملخصها أن البرلمان ينقسم إلى قسمين أحدهما للمواطنين والآخر للمقيمين كمشاركين في بداية الأمر، نعم "في بداية الأمر"، ثم ما هو جوابكم أيها السادة الكرام؟