خلال الحرب الأهلية التي عصفت بلبنان (1975- 1990) تعرضت للتدمير معظم الأحياء السكنية في بيروت وأسواقها التجارية. ومن هذه الأحياء السكنية- التجارية حي "وادي أبو جميل". ونظراً لوجود كنيس لليهود في هذا الحي، فقد اعتبر حياً يهودياً. إلا أن اليهود اللبنانيين كانوا يعيشون في مناطق متعددة من بيروت، وكانت لهم كنس أخرى في لبنان منها كنيس في بلدة بحمدون. وقد أدى مشروع إعادة إعمار بيروت إلى إزالة بقايا البنايات المتهدمة والمتصدعة. وحده الكنيس اليهودي في وادي أبو جميل لا يزال قائماً على رغم الأضرار الجسيمة التي لحقت به جراء عمليات القصف المتبادل بين القوى اللبنانية المتصارعة في ذلك الوقت، ولم يكن الإبقاء عليه صدفة، بل كان تنفيذاً لقرار. فقد أزيلت كنيسة مسيحية كاثوليكية صغيرة في ذات المنطقة، أما الكنيس فقد احتُفظ به تجنباً لردات فعل استغلالية صهيونية عالمية، وهو يحتاج إلى ترميم حتى يصبح مؤهلاً من جديد. ولكن لم يبقَ في لبنان من اليهود سوى عدد قليل جداً، فقد هاجر معظمهم إلى أوروبا وأميركا الجنوبية، ومنها إلى إسرائيل. وقد حدث ذلك في الستينيات من القرن الماضي، وكانت الهجرة الكبرى بعد حرب الأيام الستة التي مكّنت إسرائيل من احتلال سيناء ومرتفعات الجولان وغزة والضفة الغربية بما فيها القدس الشريف. وكانت هجرة اليهود من لبنان متأخرة عن سواها من الهجرات اليهودية من البلاد العربية، مما مكّن اليهود اللبنانيين من تصفية ممتلكاتهم العقارية. فقد أفادوا من النظام المالي الحر في لبنان وعمدوا إلى تحويل ثرواتهم إلى الخارج دون أي صعوبات أو عقبات. ويروي بعض رجال الأعمال اللبنانيين أن ديوناً استحقت لبعضهم ولكن لم يكن بالإمكان تحصيلها من اليهود بسبب الهجرة. وقد كانت المخاوف من ردود فعل انتقامية يكون اليهود هدفاً لها بعد حرب يونيو 1967 ونتيجة لها، السبب الرئيس المباشر للهجرة. ولكن هل كان لهذه المخاوف ما يبررها في الأساس؟ ومن أطلقها على رغم أن لبنان لم يشهد أي رد فعل انتقامي ضد اليهود؟ للإجابة على هذا السؤال لابد من تسجيل الملاحظة التالية، وهي أن اليهود اللبنانيين استعصوا على برامج التهجير التي أعدّتها إسرائيل لهم. فقد كانت أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية وحتى الدينية مستقرة وآمنة تماماً. ولذلك وجدت إسرائيل صعوبة كبيرة في حثهم على مغادرة لبنان وتصفية أعمالهم والهجرة إليها. ولم تنجح في ذلك إلا بعد حرب 1967. وقد استخدمت إسرائيل وسائل ترهيبية لحمل اليهود العرب على الهجرة. وتكشف أوراق جهاز الاستخبارات الإسرائيلية -الموساد- التي رُفع غطاء السرية عنها، أن إسرائيل قامت بتهجير يهود العراق بموجب خطة أطلقت عليها اسم "عملية علي بابا" منذ مطلع الخمسينيات من القرن الماضي. وبموجب هذه الخطة، قام عملاء للموساد بتفجير الكنيس اليهودي المركزي في بغداد، ووضعوا قنابل تفجرت في عدد من المحلات التجارية التي يملكها يهود عراقيون (وخاصة في سوق الذهب) وذلك للإيحاء لليهود بأنهم مستهدَفون ليهوديتهم، ومن ثم لحملهم على الهجرة إلى إسرائيل، وهذا ما حدث. والآن تطرح إسرائيل قضية التعويض على اليهود الذين هاجروا من الدول العربية. وقد أقرّ مجلس النواب الأميركي بالإجماع ما اعتبره "حق" إسرائيل في التعويض. وهنا لابد من الإشارة إلى عدد من الأمور المهمة: الأمر الأول هو أن الولايات المتحدة تمرّ في عام انتخاب رئيس جديد خلفاً للرئيس جورج بوش، وهو العام الذي أصبح تقليدياً أن توظفه إسرائيل (من خلال اللوبي اليهودي الأميركي) لتحقيق عدد من المكاسب السياسية والعسكرية والاقتصادية التي تعجز عن تحقيقها في الأعوام العادية، على رغم أنها تحقق الكثير. والأمر الثاني هو أن الإدارة الأميركية برئاسة جورج بوش قررت -أو أعلنت- أنها تريد أن تجعل من هذا العام 2008 (العام الأخيرة للإدارة) عاماً للتسوية السياسية في الشرق الأوسط بين إسرائيل والفلسطينيين. ويفسّر الأمر الأول قيام إسرائيل ببناء مستوطنات جديدة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتوسيع وتطوير المستوطنات القائمة خلافاً لما تنص عليه خريطة الطريق المتفق عليها أساساً للتسوية، والتي أقرّتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الروسي والأمم المتحدة. ويفسر الأمر الثاني قيام السلطة الفلسطينية بطرح حق عودة المهاجرين الفلسطينيين إلى ديارهم تنفيذاً لقرار الأمم المتحدة 194. وهو ما نصت عليه أيضاً المبادرة العربية للتسوية التي أقرت في قمة بيروت، ثم جرى تجديد الالتزام بها في قمة الرياض، وأخيراً جرى التأكيد على هذا الالتزام في قمة دمشق الأخيرة. ولا تستطيع إسرائيل أن تلغي القرار 194، أو أن تنفي حقيقة تهجير الفلسطينيين عنوة من ديارهم في عام 1948 ثم في عام 1967. كذلك لا تستطيع، كما تدعي، أن تستوعب مهاجرين فلسطينيين خوفاً من التغيير الديموغرافي (العنصري- الديني) الذي تعتبر إسرائيل أنه يشكل خطراً على مستقبل هويتها اليهودية. وكذلك فإن إسرائيل لا تستطيع أن تقرّ حتى بواجباتها في دفع تعويضات إلى الفلسطينيين الذين هجّرتهم من ديارهم، لأن مجرد دفع التعويضات هو إقرار بجريمة الإبعاد والتهجير التي ارتكبتها. ومن هنا جاءت فكرة اصطناع قضية اليهود الذين هاجروا من الدول العربية، وذلك بهدف: 1- مقايضة عدم عودتهم إلى الدول العربية بعدم عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى فلسطين. 2- مقايضة الامتناع عن دفع تعويضات للفلسطينيين مقابل عدم المطالبة بتعويضات لليهود العرب. إلا أن هذه المقايضة بشقيْها تتطلّب إقناع المجتمع الدولي بأن اليهود هُجِّروا بالقوة من الدول العربية ولم يهاجروا منها اختياراً. ويتطلب إقناع المجتمع الدولي أيضاً بأن عدد اليهود الذين غادروا الدول العربية كان أكبر من عدد الفلسطينيين الذين أبعدوا عن وطنهم بعد احتلاله. وفي هذا الشأن تذكر الأرقام التي اعتمدها مجلس النواب الأميركي أن عدد اليهود كان 850 ألفاً وأن عدد الفلسطينيين كان 700 ألف (تقدر وكالة غوث اللاجئين أن عدد اللاجئين الفلسطينيين اليوم يزيد على 4.5 مليون). غير أن هذه المقايضة غير قابلة للنجاح حتى ولو مارست الولايات المتحدة كل ما تستطيع من ضغوط، أو إغراءات. فإذا كانت هناك قضية تعويضات لليهود العرب فإن هذه القضية تعالج مع الدول العربية التي هاجروا منها وليس مع الفلسطينيين. ثم إن الفلسطينيين حرموا من وطن، وليس من مجرد ممتلكات. وإذا كان التعويض عن الممتلكات مسألة تحددها الأرقام والحسابات، فإن من المستحيل التعويض عن الوطن.. إلا باسترجاعه. فالتعويض على من خسر ممتلكات يتم بتسديد بديل عنها، أما التعويض لمن انتزع منه وطنه، فلا يكون إلا بالعودة إلى هذا الوطن. وفي ضوء ذلك، لابد من التساؤل عن مصير محاولة التسوية السياسية التي تقوم بها إدارة الرئيس بوش خلال الأشهر القليلة المتبقية من ولايته الرئاسية. فإذا كانت هذه الإدارة قد عجزت عن حمل إسرائيل على احترام تعهدها بوقف الاستيطان، هل تقدر على حملها على حل قضية اللاجئين باحترام حقهم بالعودة؟ لا توجد مشكلة حقيقية تعترض عودة اليهود العرب إلى الدول العربية التي هاجروا منها. فأكثريتهم الساحقة هاجرت إما تحت ضغط التخويف الابتزازي الإسرائيلي أو تحسّباً من ردات فعل لم تحصل أساساً. ولا تزال هناك جاليات يهودية في العديد من الدول العربية، ويتولى بعض أفرادها مسؤوليات سياسية وإدارية مهمة وخاصة في المغرب وتونس. ومن هنا فإذا كانت هناك مقايضة، فهي مقايضة بعودة الفلسطينيين إلى وطنهم، مقابل عودة اليهود العرب إلى أوطانهم العربية. وبهاتين العودتين يمكن إعادة بناء عيش مشترك بين العرب واليهود على النحو الذي كان قائماً على مدى التاريخ السابق لقيام إسرائيل. وهو ما لا تقبله إسرائيل اليوم بعنصريتها شكلاً ومضموناً. فالعودتان، عودة الفلسطينيين إلى بلادهم، وعودة اليهود العرب إلى الدول العربية، تقلبان رأساً على عقب صورة إسرائيل العنصرية وتقضيان على هويتها الدينية.