لعلنا ندرك جميعاً فداحة التأثيرات الصحية السلبية التي تنتج عن تلوث الهواء، وخصوصاً ذلك التلوث الناتج عن عوادم السيارات. فحسب تقديرات منظمة الصحة العالمية، يلقى 2.4 مليون شخص حتفهم سنوياً جراء مشاكل صحية يتسبب فيها تلوث الهواء بشكل مباشر. وتشير بعض التقديرات إلى أن الوفيات الناتجة عن تلوث الهواء حول العالم، تزيد في حجمها عن الوفيات الناتجة عن حوادث الطرق. ففي القارة الأوروبية وحدها، وحسب دراسة نشرت عام 2005، يلقى أكثر من ثلاثمائة ألف شخص حتفهم سنوياً من جراء تلوث الهواء. وتشمل الآثار الصحية السلبية لتلوث الهواء كلاً من: الأزمة الشعبية أو الربو، والتهاب الشعب الهوائية، والإمفيزيما، وأمراض القلب والرئتين، ومجموعة واسعة من أمراض الحساسية المرتبطة بالجهاز التنفسي. وبخلاف هذه القائمة الطويلة من الآثار، وحسب دراسة صدرت مؤخراً عن جامعة "بيرمنجهام" ببريطانيا، يمكن أن نضيف إليها أثراً جديداً، هو الالتهاب الرئوي (pneumonia). ففي هذه الدراسة، التي نشرت الأسبوع الماضي في إحدى الدوريات الطبية المتخصصة في الصحة العامة (Journal of Epidemiology and Community Health)، قام العلماء بتحليل عدد الوفيات بسبب الالتهاب الرئوي ومقارنتها بمستويات التلوث المحلية على مدار ثمانية أعوام، ليكتشفوا وجود علاقة قوية بين الاثنين. فمن بين قرابة الأربعمائة ألف وفاة بسبب الالتهاب الرئوي خلال هذه الفترة، ارتبطت نسبة الوفيات بشكل مباشر بمستويات التلوث المحلية. وتحتل عوادم السيارات مكانة خاصة على قائمة الأسباب المؤدية لتلوث الهواء، نتيجة احتوائها على كوكتيل من الغازات والمواد الكيمياوية السامة التي تدخل إلى مجرى الدم، ومن ثم إلى معظم أعضاء الجسم بعد استنشاقها بفترة قصيرة. وأسماء ومكونات هذا الكوكتيل السام تبدو وكأنها فهرس أحد مراجع مادة الكيمياء، مثل أول أكسيد الكربون، وثاني أكسيد النيتروجين، وثاني أكسيد الكبريت، والفورمالدهيد، والرصاص، وأخيراً "هيدروكربونات البوليسيكليك" المصحوبة بذرات دقيقة معلَّقة! وهذه المكونات مجتمعة تشكل ذلك المركب الكيمياوي الجديد المعروف بعوادم السيارات، والذي يدخل إلى رئتينا ودمائنا مع كل نفَس نتنفسه في شوارع المدن المزدحمة بالسيارات والحافلات. وفي ظل كون الإحصائيات الدولية تشير إلى وجود أكثر من 600 مليون سيارة حول العالم حالياً، وهو عدد مرشح للزيادة بشكل هائل خلال الأعوام القليلة القادمة، نتيجة النمو الاقتصادي المتسارع الذي تشهده كل من الهند والصين، أكبر دولتين في العالم من حيث تعداد السكان، لا يتوقع أن تتراجع تأثيرات عوادم السيارات على الصحة العامة في أي وقت قريب. وفداحة هذه التأثيرات الصحية، تظهر من حجم وعدد الفوائد التي يمكن أن تجنى من خلال إدخال بعض التعديلات الهندسية على محركات السيارات. فحسب تقديرات وكالة حماية البيئة الأميركية (Environmental Protection Agency)، يمكن للتحسينات المقترحة على تكنولوجيا محركات الديزل في الولايات المتحدة فقط، أن تخفض من عدد الوفيات المبكرة بمقدار اثني عشر ألفاً، ومن الذبحات الصدرية بمقدار خمسة عشر ألفاً، بالإضافة إلى ستة آلاف من عدد الزيارات لأقسام الطوارئ في المستشفيات التي يقوم بها الأطفال المصابون بالأزمة الشعبية، وتسعة آلاف من حالات الحجز في المستشفيات نتيجة الأمراض التنفسية الناتجة عن تلوث الهواء. ويتوقع أن تشهد هذه الأرقام زيادة مطردة، ليس فقط بسبب الزيادة المتوقعة في عدد السيارات حول العالم، بل أيضاً بسبب زيادة إدراكنا لمدى تشعب التأثيرات الصحية السلبية. فبخلاف دراسة بيرمنجهام، التي أثبتت للمرة الأولى وجود علاقة بين تلوث الهواء والالتهاب الرئوي، تتواتر الدراسات الواحدة تلو الأخرى عن العلاقة بين تلوث الهواء وبين طائفة واسعة من المشاكل الصحية لم تكن معروفة من قبل. وربما كان أغرب تلك الدراسات، هي تلك التي أجرتها مجموعة من العلماء في جامعة "ساو باولو" بالبرازيل، واكتشف الباحثون فيها أن ارتفاع نسبة التلوث في الهواء، يؤدي إلى انخفاض نسبة الذكور بين المواليد الجدد، كما يؤدي أيضاً إلى ارتفاع معدلات الإجهاض بين الحوامل. حيث أظهرت النتائج النهائية أن المناطق التي ترتفع بها نسبة التلوث، تتميز بنسبة أقل من المواليد الذكور، مقارنة بالمناطق الأقل تلوثاً. ويعزو العلماء هذه النتائج إلى الحقيقة المعروفة بأن الأجنة الإناث تتمتع بدرجة أكبر من القدرة على البقاء في الظروف البيئية غير المناسبة، مقارنة بالأجنة الذكور التي ترتفع لديها احتمالات الموت في الرحم، أو التعرض لمضاعفات خطيرة أثناء الولادة. وحتى خصوبة الرجال نفسها، وحسب علماء جامعة نابولي بإيطاليا، تتراجع هي الأخرى بسبب تلوث الهواء. حيث يعتقد أن مركب "أكسيد النيتروجين" الناتج عن عوادم السيارات، يتسبب في خفض عدد ونوعية الحيوانات المنوية، وبالتالي قدرتها على تخصيب البويضة. أما على صعيد التأثيرات السلبية طويلة المدى، فقد أثبت أطباء المركز الطبي الوطني العسكري في تايوان، ومن خلال الفحوصات والتحاليل المعملية، أن التعرض لعوادم السيارات لفترات طويلة خلال اليوم، يسبب تلفاً في الحمض النووي الأميني المكون للمادة الوراثية للخلايا، مما يجعل هذه الخلايا عرضة لاحقاً للتحول إلى خلايا سرطانية. هذه العلاقة بالتحديد، أصبح البعض يركنون إليها في تفسير الزيادة الواضحة في معدلات الأمراض السرطانية بين أفراد الجنس البشري، وخصوصاً خلال العقود القليلة الماضية. وهي الفترة التي ترافقت أيضاً مع انتشار واسع لاستخدام السيارات كوسيلة مواصلات، وبزيادة مخيفة أيضاً فيما تنتجه محركاتها من الكوكتيل الكيميائي السام المعروف بعوادم السيارات.