اكتملت في الأسبوع الماضي خمس سنوات منذ احتلال العراق، وهي مدة كافية للحكم على هذه المحنة الأليمة التي تعرض لها العراق، بل والنظام العربي ككل، وثمة قضايا عديدة لابد من التوقف عندها في هذه المناسبة، وسأكتفي في هذا المقال بمناقشة ثلاث قضايا أساسية تتعلق بمقاومة الاحتلال، وإمكانية تحقيق إصلاح سياسي بتدخل خارجي، وحال النظام العربي بعد الاحتلال. أما مقاومة الاحتلال فلابد من التأكيد بداية على التمييز بينها وبين الإرهاب، وأن ما يشهده العراق من عنف يندرج تحت شريحتين أولاهما تقع بحق ضمن نطاق المقاومة المشروعة للاحتلال، والثانية ضمن أعمال الإرهاب، مع الاعتراف بوجود مناطق رمادية تتكون عندما يقرر فصيل مقاوم أن يوجه سلاحه إلى العراقيين المتعاونين مع الاحتلال. تميزت المقاومة العراقية ببدايتها المبكرة للغاية إلى الحد الذي يصل ببعض المحللين إلى الجزم بضرورة أن يكون جزء من هذه المقاومة على الأقل قد وُضِعَت استراتيجيته قبل وقوع الاحتلال استشرافاً لاستحالة هزيمة العدو الأميركي في حرب نظامية، وعلى أية حال فقد بدأت المقاومة مع الاحتلال، وأخذت في التصاعد حتى انعكست على الداخل الأميركي إلى الحد الذي أثرت فيه على انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، والتي أحدثت تحولاً جذرياً في بنيته من سيطرة أغلبية "جمهورية" عليه إلى سيطرة أغلبية "ديمقراطية" أخذت تناوئ سياسة الرئيس الأميركي وإدارته، وإن لم تتمكن حتى الآن من تغييرها. كذلك أصبح العراق بفضل هذه المقاومة قضية أساسية من قضايا الجدل السياسي الراهن في الساحة الأميركية في سياق حملة الانتخابات الرئاسية. لكن المقاومة العراقية عانت في الوقت نفسه من تداعيات التركيبة السكانية المعقدة للشعب العراقي، فالمكون الكردي من هذا الشعب بصفة عامة رأى في الاحتلال دعماً لمطالبه التي يشترط الوفاء بها كي يبقى ضمن دولة العراق، وإن كان من شأن الاستجابة التامة لهذه المطالب أن يكون هذا البقاء شكلياً ويكاد يساوي الانفصال. ومن ناحية أخرى فإن واقعة أن القوى السياسية التي تعاونت مع الاحتلال منذ البداية كانت شيعية بالأساس أعطت الانطباع بأن شيعة العراق يساندون الاحتلال، وهو انطباع غير صحيح، وإن وجب الاعتراف بأن قطاعات مهمة منهم لا تشارك في أعمال المقاومة المسلحة، ولقد سبب هذا الوضع قصوراً نسبياً في الجهد القتالي للمقاومة، بمعنى أن وحدة الجماعة الوطنية العراقية من خلف مقاومة بهذه الضراوة كان من شأنها أن تجعلها قاب قوسين أو أدنى من تحقيق أهدافها، إن لم تكن قد حققتها بالفعل. يضاف إلى ما سبق أن المقاومة العراقية افتقدت وجود قاعدة خارجية تستمد منها الدعم المادي والمعنوي، كما كان الحال في الظهير العربي للمقاومة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي، أو الظهير المصري لحركة التحرر في جنوب اليمن ضد الاحتلال البريطاني، ولهذا تعمل المقاومة العراقية في ظل حد أدنى من الدعم الخارجي الذي كان ضرورياً في كافة الخبرات المعاصرة لحركات التحرر الوطني من أجل ضمان سرعة تحقيق هذه الحركات أهدافها. ويعني هذا أن قدرة المقاومة العراقية على تحرير العراق بسرعة تتوقف على وحدتها الداخلية وعلى وجود ظهير عربي قوي لها، ولما كان الشرط الثاني صعباً في المدى القصير نظراً للحالة المتردية للنظام العربي، فإن الأمل معقود على تمكن المقاومة من إنجاز وحدة -أو على الأقل تنسيق فعال- بين فصائلها، ومن الأمور التي تعزز الأمل في هذا الصدد ما بدأ يطفو على سطح الأحداث من مؤشرات تدل على أن رفض الاحتلال يتجه أكثر فأكثر إلى عبور مزيد من الخطوط الطائفية نحو وحدة وطنية حقيقية في مواجهة الاحتلال. أما القضية الثانية فتتعلق بإمكانية الإصلاح السياسي من الخارج. نذكر أن القوى المتواطئة مع الاحتلال قد بررت تواطؤها باستحالة القضاء على نظام شمولي كنظام صدام بفعل القوى الداخلية وحدها، وهو بالمناسبة تبرير غير صحيح، فنظام شاه إيران ذو القبضة الحديدية أسقط أساساً بفعل قوى داخلية، ومع ذلك فقد كانت سنوات الاحتلال فرصة كافية لاختبار الفروض الخاصة بقدرة العوامل الخارجية على إحداث إصلاح سياسي داخلي. ولعله بمقدور أي مراقب موضوعي متابع لمجريات الأمور في العراق أن يلاحظ أن الاحتلال وإن نجح في هدم النظام القديم قد أخفق في الوقت نفسه إخفاقاً ذريعاً في بناء نظام جديد. بل إن الأخطر من ذلك أن قرارات الاحتلال قد أفضت إلى تفكيك دولة العراق وليس مجرد نظامه السياسي، ناهيك عن تفكيك بنيته الاجتماعية بما أحدثته من نعرات طائفية لم يعرف العراق مثيلاً لها قبل وقوع الاحتلال، وأفضى ما يسمى بالعملية السياسية في العراق إلى "ديمقراطية" شوهاء تعكس واقع الاحتلال وليس واقع القوى السياسية في العراق، وتراجعت حقوق الإنسان وفي مقدمتها الحق في الحياة نفسه، وهاجر ملايين العراقيين داخل العراق وخارجه في واحدة من أكبر الموجات المعاصرة للهجرة، وأفضى هذا كله إلى ضربة موجعة لمفهومي الديمقراطية وحقوق الإنسان بقدر ما أصبح العراقي العادي يقارن بين وضعه في نظام شمولي تمتع فيه بأمنه الشخصي طالما بعد عن النشاط السياسي المعارض للنظام، وبمستوى كريم من الحياة، ووضعه في ظل نظام يفترض أنه ديمقراطي لا يتمتع فيه بحقوق سياسية ذات بال، ويعاني من تردٍّ كامل في أوضاعه الاقتصادية والاجتماعية، ويفتقر إلى أبسط مقومات الأمن الشخصي. وهكذا تسببت سياسات الاحتلال في نكسة للنضال من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان بقدر ما أصبح البعض يحلم بالقائد القوي الذي يعيد للعراق لحمته الوطنية، واستقراره الضائع، وأمنه المفقود حتى ولو كان ذلك على حساب الديمقراطية. تتعلق القضية الثالثة بالنظام العربي وموقفه من احتلال العراق، ولاشك أن هذه الواقعة كانت لها تداعياتها السلبية الخطيرة على ذلك النظام، وقد نذكر تبنيه مواقف معقولة إزاء التهديدات الأميركية للعراق. رفض النظام منذ انعقاد قمة بيروت في مارس 2002، وفي قمة شرم الشيخ في الشهر نفسه من عام 2003، وكذلك في مجلس وزراء الخارجية الذي انعقد إبان العدوان -رفض كافة التهديدات الأميركية، واعترض على مقولة تغيير النظام العراقي بتدخل خارجي، وطالب عندما وقع العدوان بوقفه، والانسحاب الفوري للقوات المعتدية، وغير ذلك من المواقف السليمة. لكن دخول القوات الأميركية بغداد في أبريل 2003 أحدث تغيراً جذرياً في موقف النظام العربي، فسكت الحديث عن ضرورة انسحاب قوات الاحتلال، ولم تتم أية دعوة لعقد قمة عربية طارئة تناقش هذه المستجدات الخطيرة على الأمن القومي العربي، وقُبِلَ ممثل الحكومة التي نصبتها سلطات الاحتلال ممثلاً للعراق في الجامعة العربية اعتباراً من سبتمبر 2003، وفقد النظام العربي منذ ذلك التاريخ أية قدرة على التواصل مع قوى المقاومة السياسية والعسكرية في العراق ناهيك عن دعمها، وبالتالي تلاشى أي نفوذ له على مجريات الأمور، على عكس إيران التي تصاعد نفوذها بشدة في أعقاب الاحتلال. بل لقد وصل الأمر ببعض المسؤولين العرب إلى الاعتراض على انسحاب قوات الاحتلال بحجة أن هذا سوف يؤدي إلى فوضى هائلة، وكأن هذه الفوضى ليست قائمة فعلاً وبسبب الاحتلال، وكأن الانسحاب عمل يهرول فيه المحتلون فجأة خارج العراق، وليس عملاً منظماً يتخذ من الضمانات ما يكفي لضمان الاستقرار بعد إتمامه. تبقى بعد ذلك بعض القضايا الخارجية إذا جاز التعبير، وبصفة خاصة ما يتعلق منها بالسياستين الإيرانية والأميركية إزاء العراق، وربما تكون هذه القضايا في حاجة إلى وقفة تأمل أخرى في هذه الذكرى البغيضة.