نقلت "وكالة الصحافة الفرنسيّة قبل أيّام قليلة الخبر الموجز التالي: "في احتفال رمزيّ، ووسط مظاهر ابتهاج وتفاؤل، أعاد الجانبان القبرصيّ اليونانيّ والتركيّ فتح شارع ليدرا في وسط نيقوسيا العاصمة، وذلك للمرة الأولى منذ 45 سنة. وكان قبارصة أتراك تجمّعوا في الجانب الشماليّ قبل فتح الشارع، في خطوة تحيي الآمال في إعادة توحيد الجزيرة المقسّمة. لكنّ المعبر الجنوبيّ أُقفل بعد ساعات نتيجة خلاف. وصرح الناطق باسم الحكومة القبرصيّة اليونانيّة بأن الشرطة في "جمهوريّة شمال قبرص التركيّة" المعلنة من جانب واحد، والتي لا تعترف بها سوى أنقرة، قامت بدوريّة في المنطقة العازلة التي تديرها الأمم المتّحدة، وقال: "كنا بالغي الوضوح في أنه لا يمكن قبول الانتهاكات". وقد أعيد فتح المعبر لاحقاً". الخبر يوحي بأن الجزيرة ربّما كانت تبدأ مسيرة إعادة توحيدها، خصوصاً وقد انتُخب مؤخّراً رئيس جمهوريّة في قبرص اليونانيّة لا يتردّد في إعلان سعيه إلى هذا الهدف. وفي حال السير باتّجاه استرجاع الوحدة، سيظهر على الطريق، بالتأكيد، كثير من التشنّج والتعثر، كما ستكون عمليّة إعادة التوحيد مديدة ومعقّدة. وأغلب الظنّ أن الوحدة التي قد تُعاد لن تكون من النوع البسيط الذي كانته قبلاً، بل ستجنح إلى لون من الفيدراليّة أو الكونفيدراليّة التي تحتفظ بخصوصيّة مكوّناتها. مع هذا، ففيما لو صحّ هذا السيناريو المتفائل، سنكون أمام حدث بعيد الأهميّة يتجاوز في دلالاته حدود الجزيرة الصغيرة. فالوحدات، لاسيّما منذ انتهاء الحرب الباردة الذي أطلق لحركات الانفصال والتجزئة العنان، صارت من الأحداث النادرة. وتجربة كهذه ربّما امتلكت بعض ما تقوله لجيرانها العرب الذين تقع على مرمى حجر منهم في البحر الأبيض المتوسّط، لاسيّما لجهة الاتّعاظ بالأحداث والميل إلى تغليب الواقع ومعانيه على المقدّمات الإيديولوجيّة البحتة. لكنْ لا بأس، أوّلاً، باستعادة بعض المعطيات المدرسيّة عن هذا الجار الصغير الذي لا نعرف عنه ما يستدعيه الجوار اللصيق. لقد كانت قبرص مستعمرة بريطانيّة حصلت، في 1960، على استقلالها عبر ما عُرف باتّفاقيتي زيوريخ ولندن اللتين أقرّتا صراحةً بوجود جماعتين إثنيّتين في الجزيرة: الطائفة اليونانيّة القبرصيّة (وهي مسيحيّة أرثوذكسيّة) وتشكّل 82 في المئة من السكّان، والطائفة التركيّة القبرصيّة (وهي مسلمة سُنيّة) وتشكّل 18 في المئة. وكان الإقرار هذا نموذجيّاً لجهة كفالته الحقوق السياسيّة للطائفة الأصغر وبما يتجاوز حجمها العدديّ. إلاّ أن مصاعب العلاقات بين الطائفتين هي ما حمل القبارصة على الاقتصاص من سيادتهم وتحجيمها دستوريّاً، بمنحهم الدول الضامنة الثلاث، أي اليونان وتركيا وبريطانيا، حقوقاً ومسؤوليّات في بلدهم لا تعطيها الدول السيّدة عادةً لطرف أجنبيّ. وكان هذا دليلاً واضحاً على أزمة الهويّة الوطنيّة القبرصيّة التي حاول المطران مكاريوس صناعتها ضدّ أكثريّة من الإثنيّة اليونانيّة تنوي الانضمام إلى اليونان، وهو ما عُرف بـ"الإينوسيس" أي الوحدة، وأكثريّة من الإثنيّة التركيّة ترغب في الانضمام إلى تركيّا مع ما يستدعيه ذلك من "تقسيم". بلغة أخرى، تعاملت الإثنيّة الأولى مع نفسها بوصفها مجموعة مهاجرين يونانيّين إلى قبرص، كما رأت الإثنيّة الثانية نفسها كمجموعة مهاجرين أتراك إليها. وهذا كان له وجهاه السلبيّ والإيجابيّ في وقت واحد: فمن ناحية، كان لتغليب "المهاجر" على "المواطن" أن فاقم صعوبات التوصّل إلى إجماعات، جاعلاً الوطنيّة القبرصيّة هدفاً أبعد منالاً. ومن ناحية أخرى، استُبعدت في قبرص، منذ البداية الأولى، تلك المعادلات العربيّة الزائفة عن أننا "كلّنا إخوان" وأنه "ليس من مشكلة بيننا". ففي قبرص أُعلنت الخلافات على الملأ من دون حرج أو مواربة. على أيّة حال فحين تمّ الاستقلال، وعلى خلفيّة الوضع المذكور، نظر إليه المتطرّفون من الإثنيّة اليونانيّة، وكانوا الأغلبيّة في إثنيّتهم، بوصفه إملاءً فرضته الدول المعنيّة، لاسيّما بريطانيا، على المطران مكاريوس، بينما لم يحظ لدى أبناء الإثنيّة التركيّة بأيّة حماسة ملحوظة. وبالفعل شقّ مشروع مكاريوس طريقه وسط صعوبات صبغت السنوات الاستقلاليّة الأولى. فعلى رغم الانضمام إلى الكومنولث في 1961، ومن ثمّ تعاظُم دور مكاريوس في المحافل الدوليّة ومنتديات الحياد الإيجابيّ وعدم الانحياز، استمرّ الخلاف يدور حول تأويل اتّفاقيتي زيوريخ ولندن فيما خصّ التعيينات والوظائف وتقاسمها بين الجماعتين، والسياسات الضريبيّة، والصلاحيّات المعطاة لنائب الرئيس من الإثنيّة التركيّة. وترافق هذا مع اشتباكات متقطّعة بين الإثنيّتين وشلل كان غالباً ما يلحق بالدستور واشتغاله. وفي 1963، وردّاً على تعديلات وإصلاحات اقترحها مكاريوس اعتُبرت محابية لأهل إثنيّته، انتفضت الجماعة التركيّة وتخلّى كبار رسميّيها وموظّفيها عن وظائفهم ومناصبهم، فما كاد ينتهي العام المذكور حتّى انفجر في الجزيرة عنف طائفيّ من عيار ما هو مألوف في إيرلندا الشماليّة. ولأن الوضع هذا راح يتردّى مستدعياً ضغوطاً تركيّة صريحة اعتبرتها حكومة نيقوسيا تدخّلاً سافراً، انتقلت المشكلة إلى مجلس الأمن حيث صدر القرار 186 في مارس 1964 معلناً إنشاء قوّات حفظ سلام تابعة للأمم المتّحدة في قبرص. لكن الوضع استمرّ يتردّى حتّى كان عام 1974 الذي شهد انهيار تجربتها كدولة حديثة: فقد نشب بعض التوتّر والعنف بين الطائفتين الكبريين، اليونانيّة القبرصيّة والتركيّة القبرصيّة، ثم كانت محاولة انقلابيّة فاشلة قادها ضابط متطرّف في "الحرس الوطنيّ" اسمه نيكوس سامبسون أراد إلحاق البلد باليونان، دعمته في مشروعه هذا الطغمة العسكريّة التي حكمت أثينا ما بين 1967 و1974. بعد ذاك، وكما هو معروف، غزت تركيا، وكان يرأس حكومتها بولند أجاويد، الثلث الشماليّ الذي تسكنه الطائفة التركيّة من الجزيرة، مما أدّى إلى تهجير 140 ألف قبرصيّ يونانيّ اتّجهوا جنوباً، و50 ألف قبرصيّ تركيّ اتّجهوا شمالاً، وإلى إنشاء كيان سياسيّ انفصاليّ ترأسه نائب الرئيس السابق والزعيم التقليديّ للأتراك القبارصة رؤوف دنكتاش. وهو ما رفضته نيقوسيا وطالبت العالم بالتعامل معه بوصفه حالة غير شرعيّة. هكذا قُسّمت الجزيرة، عمليّاً وإن لم يكن رسميّاً أو قانونيّاً، إلى أربعة أقسام أساسيّة: جمهوريّة قبرص، في النصف الجنوبيّ الذي يقطنه القبارصة اليونان، وتمتدّ على 59 في المئة من مساحة الجزيرة، وجمهوريّة قبرص التركيّة (غير المعترف بها خارجيّاً إلاّ من أنقرة)، وتسيطر على قرابة 36 في المئة من الجزيرة، أما الباقي، وهو 5 في المئة، فيتوزّع بين القواعد العسكريّة في البلد التي نصّ اتّفاق الاستقلال في 1960 على بقائها هناك، والخطّ الأخضر الفاصل بين الكيانين، وهو في عهدة قوّات حفظ السلام التابعة للأمم المتّحدة. لقد كان النزاع القبرصيّ سبّاقاً في تاريخ نزاعات الهويّة التي عرفناها لاحقاً، مع انتهاء الحرب الباردة، والتي تأدّى عنها عديد الحروب الأهليّة وأعمال التقسيم. هكذا سُكّ تعبير "قبْرصة" قبل سنوات على ولادة "اللبْننة" و"الصوْملة" وسواهما من المصطلحات ذات الدلالة المماثلة. ومع هذا فانتهاء الحرب الباردة شكّل للقبارصة فرصة لإزاحة أحد العوامل المعزّزة لانقسامهم، بحيث شرعت الجهود تتواصل من أجل بلوغ تسوية يصار إليها عبر التفاوض. وكان المشروع الأوروبيّ نقطة تحوّل مهمّة في هذا السياق، فأثار إشكالات بدا، للمرّة الأولى، أنها من النوع القابل للحلّ والتذليل. والحال أن قبرص اليونانيّة امتلكت المواصفات التي أهّلتها لعضويّة الاتّحاد الأوروبيّ في 1 مايو 2004، ثم تبنّت "اليورو" عملةً لها مع اليوم الأوّل من هذا العام. وفي هذا الإطار ظهرت "خطّة -الأمين العام للأمم المتّحدة يومذاك- كوفي عنان" التي حاولت إعادة توحيد الجزيرة قبل دخول الاتّحاد الأوروبيّ. وبالفعل ففي 2006 بدأت تظهر حالات غير مألوفة في طرفي الجزيرة من التجرّؤ الشعبيّ العفويّ على فتح المعابر. وهو ما فُسّر بتعاظُم نفور الأتراك القبارصة من الجيش التركيّ المتمركز في أرضهم وتفضيلهم العودة إلى الوحدة على البقاء إقليماً تابعاً لتركيا. وفي المقابل، باتت قبرص اليونانيّة، التي تجذب سنويّاً قرابة مليونين ونصف مليون سائح، قصّة نجاح اقتصاديّ تزايدت معه الثقة بالنفس وتراجعت المخاوف حيال الشريك التركيّ القبرصيّ الذي بات أشدّ تسليماً بأن رفاهه مرهون باستعادة الوحدة مع الشريك اليونانيّ القبرصيّ. إن هناك الكثير مما يستحق التأمّل في هذه القصّة القبرصيّة، خصوصاً إذا ما انتهى بها الأمر إلى نهاية سعيدة.