"إذا أراد البعض أن يتحدث عن التعويضات، وهذا حق بل واجب ضروري، فيجب أن ننتبه إلى أن إسرائيل ستطالب في الوقت عينه بممتلكات اليهود في الدول العربية، وستفتح ملفات الذين هاجروا إلى إسرائيل من الدول العربية لطرحها في المفاوضات على أساس أنها مشكلة لاجئين يهود يطالبون بالعودة أو التعويضات. مع العلم أن هؤلاء عادوا إلى إسرائيل بعد ضغوط كبيرة مورست من قبلها على الدول التي كانوا يقطنون فيها. وبالتالي ستكون عملية مقايضة لا تدفع بموجبها إسرائيل المال، بل ربما تقبض هي مبالغ معينة بعد أن تكون قد أخذت الأرض"! هذا مقطع من محاضرة ألقيتها في الجامعة اللبنانية– الأميركية في بيروت بتاريخ 18 أبريل 2004 حول حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم. يقول "دانيال بايبس": "إن تعريف اللاجئين الفلسطينيين يختلف عن جميع التعريفات الخاصة باللاجئين الآخرين. فاللاجئون حسب تعريف "الأونروا" هم الأشخاص الذين كانوا من سكان فلسطين بين يونيو 46 ومايو 48 وفقدوا بيوتهم وسبل معاشهم نتيجة للصراع العربي- الإسرائيلي عام 48. وهي، أي الأونروا، تمنح صفة لاجئ على أحفاد الأشخاص الذين أصبحوا لاجئين عام 48، بل إنها تعتبر أبناء أحد الأبوين- إذا كان لاجئاً فلسطينياً-بمثابة لاجئين، وهكذا فإن تعريف المفوضية العليا للاجئين يؤدي إلى اختفاء اللاجئين مع مرور الزمن، بينما تتسبب الأونروا في زيادة عددهم من دون حدود! ودعا "بايبس" إلى "أن تقطع واشنطن مساعدتها للأونروا". كما دعا "الجمهوري" كريست سميث رئيس لجنة العلاقات الدولية في الكونجرس إلى توسيع نطاق عمل تحقيقات دائرة المحاسبة العامة بحيث تشمل تمويل "الأونروا". فيما ذهب "توم لانتوس" العضو "الديمقراطي" المعروف في اللجنة ذاتها إلى "حل الأونروا ونقل مسؤولياتها إلى المفوضية العليا للاجئين"! ".... ويتحدث البعض عن حل بالتعويضات. أي دفع تعويضات كل فلسطيني يتخلى عن حق العودة ويرغب في البقاء حيث هو"! "حتى هذا الأمر لن يحصل عليه الفلسطينيون؛ فالإسرائيلي الذي خطط لقتلهم وتهجيرهم ومنعهم من العودة لن يدفع لهم مالاً وقد حضّر ملفات متكاملة تتضمن كل المعلومات عن اليهود، الذين تركوا الدول العربية طوعاً للذهاب إلى إسرائيل، التي تعتبرهم اليوم مطرودين من تلك الدول، وبالتالي تطالب في المقابل بتعويضات لهم. وحسب الدراسات والإحصاءات الإسرائيلية، فإن المبلغ الذي تطالب به إسرائيل يقارب مئة مليار دولار، وبالتالي سيكون لها في "ذمتنا" أكثر مما لدينا عندها تعويضاً عن الفلسطينيين في الخارج"!. هذه مقاطع من مقال كتبته بتاريخ 3 يوليو 2003 تحت عنوان: "مصير اللاجئين والأونروا وتعويضات إسرائيل". ومنذ أيام قدم السيناتور"الجمهوري" ريك سانتورم مشروع قرار إلى مجلس الشيوخ مماثل لمشروع قرار آخر قدمه إلى مجلس النواب النائب "الديمقراطي" جيرالد فادلر، حول قضية اللاجئين. وجاء في مشروع "سانتورم" أنه "مع مناقشة قضية اللاجئين في الشرق الأوسط ينصب الاهتمام على اللاجئين الفلسطينيين على رغم أن التقديرات تفيد أن عدد اليهود الذين هُجّروا من الدول العربية بسبب حرب 48، وحروب أخرى شنت على الدولة الناشئة إسرائيل، 850 ألفاً أي ما يفوق عدد اللاجئين الفلسطينيين البالغ نحو 726 ألفاً"! ويطالب المشروعان الإدارة الأميركية "بالتعامل مع أي قضية تتعلق باللاجئين في عملية السلام في الشرق الأوسط بمبدأ المساواة ومخاطبة قضية اللاجئين اليهود كما تخاطب قضية اللاجئين الفلسطينيين"! هذه مقاطع أيضاً من مقال كتبته بتاريخ 7 أبريل 2004 تحت عنوان: "حق عودة الفلسطينيين أم حق عودة اليهود؟!" منذ أيام أصدر مجلس النواب الأميركي قراراً صوّت عليه بالإجماع، نعم بالإجماع أي بتأييد كامل من أعضائه "الديمقراطيين" و"الجمهوريين". فالاتفاق تام بينهم على تأييد دعم إسرائيل، فكيف إذا كانت المرحلة مرحلة انتخابية! المهم، القرار يصنف اليهود الذين غادروا الدول العربية بمثابة لاجئين! أي تم تنفيذ ما كان يخطط له منذ سنوات ونبهنا إلى مخاطره في ندوات ومقالات كما أشرنا. والقرار الأخير يطالب بإدراج قضية "اللاجئين اليهود" ضمن أي اتفاق لتسوية مشكلة الشرق الأوسط"، مما يمهد للمطالبة بتعويضات من الدول العربية أو ثنيها عن الإصرار على حق عودة اللاجئين الفلسطينيين! واعتبر النواب "أن قضية اللاجئين الفلسطينيين حظيت باهتمام كبير من قبل دول العالم، بينما لم يحظ اللاجئون اليهود الذين خرجوا من الدول العربية والإسلامية بالقدر نفسه من الاهتمام". وأشاروا إلى أنه تم "إجلاء ما يقارب 850 ألف يهودي من الدول العربية منذ إعلان قيام دولة إسرائيل". وهي نقطة أشرنا إليها منذ سنوات أيضاً كما هو وارد أعلاه. كذلك فقد أشار القرار الجديد، إلى "إعراب الولايات المتحدة الأميركية في العديد من المناسبات والوثائق عن قلقها بشأن سوء المعاملة وانتهاك الحقوق والتهجير الإجباري ومصادرة ممتلكات الأقليات عامة واليهود الذين أخرجوا من الدول العربية خاصة". وذكّر القرار بمذكرة التفاهم التي وقعها الرئيس الأميركي جيمي كارتر ووزير الخارجية الإسرائيلي موشي ديان عام 1977، والتي تنص على أن مشكلة اللاجئين الفلسطينيين واللاجئين اليهود ستبحث حسب القواعد التي يتم الاتفاق عليها...". وبتصريحات لكارتر قال فيها: "هناك لاجئون يهود لهم حقوق اللاجئين الآخرين أنفسهم". وبتصريحات لكلينتون عام 2000 طالب فيها "بإنشاء صندوق دولي للاجئين"، يكون هناك حقوق للإسرائيليين الذين حوّلتهم الحرب إلى لاجئين! لأن إسرائيل مليئة باليهود الذين عاشوا في دول عربية وجاؤوا إلى إسرائيل بعد أن تحولوا إلى لاجئين في بلدانهم التي كانوا يعيشون فيها". واعتبر النواب في قرارهم أن تعريف "لاجئ" ينطبق على "اليهود الذين فروا من اضطهاد الأنظمة العربية"! وأكدوا أنه "لا يمكن التوصل إلى سلام شامل بين العرب وإسرائيل من دون التعامل مع قضية اجتثاث التجمعات اليهودية التي تعود لقرون في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ودول الخليج", وأنه "لن يكون من اللائق أن تعترف واشنطن بحقوق اللاجئين الفلسطينيين من دون الاعتراف بحقوق مساوية للاجئين اليهود من الدول العربية". منذ سنوات ونحن نتابع هذا الموضوع ونحذر من مخاطره ومن سعي إسرائيل مدعومة من أميركا إلى تدفيع الفلسطينيين والعرب الثمن: الفلسطينيون لن يعودوا إلى أرضهم. فالأرض لإسرائيل والعرب سيدفعون الثمن. ثمن الإخلاءات والتعويضات للفلسطينيين وللإسرائيليين على حد سواء. هكذا تتكرس في الفكر الإسرائيلي والسياسة الأميركية معادلة إسرائيل: الأرض لنا. لا حق لكم أيها الفلسطينيون في العودة إليها. ونريد ثمنها! معادلة غريبة عجيبة: يحتلون أرضك فيطلبونها باسمهم ويطلبون منك أن تدفع ثمنها من حياتك ومالك. هذه المعادلة لا يريدون تطبيقها فقط على الفلسطينيين في فلسطين، بل على كل العرب حيث يستطيعون. وبالتالي فإن التعاطي مع قضية اللاجئين الفلسطينيين يجب أن يرتقي إلى مسؤوليات أعلى من المماحكات والنكايات والحسابات الضيقة. بعيداً عن استخدامها فزاعة في لبنان من فريق ضد فريق، وكل الفرقاء في النهاية متضررون لبنانيين كانوا أم فلسطينيين وبعيداً عن المزايدة بها في سياق الصراعات الفلسطينية-الفلسطينية أو العربية- العربية. ولينتبه الجميع إلى القرارات الأميركية كما أوردناها، والتي تساوي بين قضية اللاجئ الفلسطيني وما يسمونه قضية اللاجئ اليهودي، وهي قضية وهمية فعلياً، حيث إن اليهود العرب غادر معظمهم بسبب الضغوطات الإسرائيلية، وليس بسبب ضغوطات الدول التي يتواجدون على أرضها. المطلوب قراءة استراتيجية فعلية للأمور. الاستراتيجية ليست كلمة تستخدم في السوق السياسي على المنابر والشاشات وفي المؤتمرات والبيانات، هي رؤية وخطة عملية لتطبيقها تنطلق من قراءة دقيقة للمعادلات القائمة والوقائع والحقائق، وتستند إلى معرفة العدو والتجارب معه وتشكل خلاصة لاستشراف آفاق مرحلة. هكذا تتصرف إسرائيل هكذا تلبي أميركا ما يخدم تصرفاتها. أما العرب، فردود فعلهم تكاد تكون غير موجودة، وإذا وجدت فهي قاصرة!