لا أظن أن المشاهد التي تم نقلها عبر شاشات التلفزيون، والتي ظهر فيها بابا الفاتيكان "بنديكيت السادس عشر"، وهو يقوم بتعميد مسلم اسمه "مجدي علام" ارتد عن الإسلام وتنصر، في يوم عيد الفصح، حدثت صدفة! ولو كان الأمر صحيحاً لكان من الممكن أن يمر موضوع تعميد ذلك الشخص، مثل غيره ممن ارتدوا عن الإسلام لأهداف وأغراض مختلفة، دون أن يعلم أحد أو يهتم بالأمر. لكن ذلك الاهتمام من أعلى سلطة في الفاتيكان بشخص عرف بكتاباته العدائية والحادة وعلاقاته الخاصة بإسرائيل والتي منحته جائزة تسلمها في احتفال خاص حضره الرئيس الإسرائيلي... هذه المساحة الواسعة من اهتمام البابا لها مدلولان أساسيان: أولهما أن الفاتيكان أراد بذلك التعميد، التأكيد على أن عملية التنصير متواصلة في العالم الإسلامي. وثانيهما القول بأن مثل ذلك المشهد قابل للتكرار بالنسبة لمن يريد أن يكون محوراً للاهتمام والاحتفاء من الغرب والفاتيكان. نحن إذن أمام صناعة جديدة ترتكز على تحويل علاقة الغرب- الإسلام من الحديث الشفهي حول الإرهاب والتطرف، إلى دعوة صريحة لتنصير المسلمين، وإعادة تدوير المرتدين والمتنصرين لخدمة هذا الهدف. وخطورة هذه الاستراتيجية أنها تتحرك من خلال قيادات ومؤسسات لها وزنها الكبير في الغرب، وبالاعتماد على آلة إعلامية ضخمة ومقتدرة. قبل فترة حاولت تلك الآلة استثمار موضوع المواطن الأفغاني "عبد الرحمن عبد المنان" الذي ارتد عن الإسلام وتحول إلى النصرانية لخدمة هذا الهدف، ثم استضافت الأكاديمية الجوية الأميركية في كولورادو ثلاثة من المسلمين المتحولين إلى النصرانية بوصفهم "مسلمين سابقين"، وباعتبارهم "خبراء في الإرهاب"، وقالوا في محاضرتهم أمام طلبة الأكاديمية إن الحل للقضاء على الإرهاب هو "تحويل المسلمين إلى المسيحية الإنجيلية". ثم عقد في الولايات المتحدة يوم 28/3/2008 مؤتمر "المسلمين الكفار" بمشاركة زعيم جماعة "القرآنيين"، وقبل ذلك عقد مؤتمر "القمة الإصلاحية" برعاية عدد من قادة "المحافظين الجدد" وقد تمت خلاله الدعوة إلى علمنة الإسلام وإعادة النظر في القرآن. وهناك اليوم ما يسمى "اتحاد المرتدين عن الإسلام"، والذي يلقى دعماً غربياً كبيراً، إضافة إلى كثير من الدراسات والكتابات والقنوات الفضائية التي تهاجم الإسلام وتطعن في عقائده، وتبث الأفكار التبشيرية. وقد تم اعتماد عدد من المرتدين في العديد من المؤسسات البحثية والفكرية الأميركية، كما أنهم ضيوف دائمون في أكبر وسائل الإعلام الغربية والهيئات الموالية لإسرائيل. إن هذا الاستهداف الغربي للإسلام، لاسيما عن طريق المرتدين، يتحرك جنباً إلى جنب مع حركة التنصير التي تعاظمت في السنوات الأخيرة وباتت تمثل حالة ملحوظة في المجتمعات الإسلامية. وقد جاء في تقرير حكومي مغربي أن الإنجيليين الأجانب كانوا وراء حالات التنصير في المغرب، وأنهم يتخذون من الجمعيات الخيرية ستاراً لإخفاء أنشطتهم، وأنهم يمتلكون براعة فائقة في ممارسة التبشير، وأنهم يمتلكون موارد مالية ضخمة، يقومون بالتجسس لحساب دول وأطراف معينة. بينما أشار تقرير برلماني مغربي إلى الدور المشبوه لبعض السفارات والهيئات الدبلوماسية الأجنبية، وأوضح أن هدف المؤسسات التبشيرية هو أن يدخل 10% من المغاربة إلى النصرانية بحلول عام 2020. أما في الجزائر، فقد خلصت ندوة علمية تم تنظيمها هناك مؤخراً، إلى أن التنصير الذي تشهده مناطق عديدة في البلاد هو مشروع مخابراتي تقوده جهات أجنبية، وذلك باعتراف ثلاثة جزائريين اعتنقوا المسيحية لفترة قبل أن يعودوا إلى الإسلام. وفي الأردن تم طرد 40 فرقة أجنبية كانت تمارس التبشير في صفوف المسلمين وتهدف إلى إثارة النعرات وزرع الفتنة. هذا فقط بعض ما تم كشفه والإعلان عنه، أما في الواقع فإن الحركات التنصيرية أخذت تتغلغل في جسد العديد من الدول العربية والإسلامية. وما يمكن استنتاجه أن ثمة مخططا يحمل في أجندته نوايا وأهدافا لا تختلف عن الأهداف والنوايا التي دخل من خلالها الاستعمار إلى العالم الإسلامي بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية، وأن هناك سياسة تريد خلق صراع بين الأديان، ولا تسعى إلى خلق حوار صريح وصحي مع المسلمين!