ليست أزمة قطاع غزة اليوم إلا واحدة من بؤر توتر عدة تهدد بتفجير الشرق الأوسط، وخصوصاً في المنطقة بين شرق المتوسط والخليج العربي. فمن أزمة إيران النووية، إلى أزمة لبنان المركبة، مروراً بأزمة العراق المعقدة، تتعدد البؤر التي يمكن أن يصبح أي منها شرارة تشعل حرباً إقليمية. أخذت أزمة قطاع غزة في التصاعد منذ "الموقعة" التي استولت خلالها حركة "حماس" على القطاع في يونيو الماضي، إلى أن أصبحت اليوم إحدى أكثر أزمات المنطقة خطراً وأحد أهم مصادر الانفجار الإقليمي المحتمل. فقد ازداد ارتباطها بالأزمات الأخرى من لبنان إلى إيران، بعد أن تبين أن التيار المهيمن في حركة "حماس" اختار الالتحاق بالمحور السوري- الإيراني، ولم يعد مجرد حليف قوي لهذا المحور، مع احتفاظه بهامش معتبر من حرية الحركة وخصوصاً في علاقته مع مصر والسعودية. وارتبط هذا التحول في توجهات "حماس"، أو الفريق الأقوى فيها الآن، بتنامي الميل في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، وليس فقط في حكومة ايهود أولمرت، إلى الإسراع بحسم الصراع في القطاع عبر تصعيد يتجاوز الضربات العسكرية الانتقائية وأعمال الملاحقة والمطاردة والاغتيالات. لذلك تبدو فرصة التهدئة التي تسعى إليها مصر الآن بين إسرائيل وحركة "حماس" وغيرها من الفصائل في قطاع غزة ضعيفة، رغم الدعم الأميركي للتحرك المصري. لذلك حذرت مجلة "إيكونومست" مؤخراً من "حرب إقليمية تلوح في الأفق انطلاقاً من غزة". وقالت إن هدنة الأمر الواقع التي حدثت في غزة بعد فشل عملية "الشتاء الساخن" التي شنتها إسرائيل بداية مارس الماضي "قد تكون بمثابة الهدوء الذي يسبق العاصفة، وربما نشهد حرباً أوسع نطاقاً في المنطقة مستقبلاً". ونسبت إلى دبلوماسي دولي سابق ما اعتبرته ملامح سيناريو محتمل، وهو أن تصعيداً عسكرياً إسرائيلياً فوق العادة يمكن أن يغري "حزب الله" بدعم "حماس" على نحو يؤدي إلى حرب جديدة في لبنان انطلاقاً من غزة هذه المرة، وفي سياق يجعل من الصعب استبعاد تورط سوريا أو توريطها لتكتمل- في هذه الحالة- مقومات الحرب الإقليمية. ومن هنا صعوبة التحرك الذي تسعى مصر من خلاله إلى تهدئة تعاقدية، وليست ضمنية، بين إسرائيل و"حماس". فرغم تجاوب قيادة "حماس" مع هذا التحرك حتى الآن، فإن الشروط التي تضعها تجعل احتمالات نجاحه محدودة. فإذا كان الاتجاه الغالب في إسرائيل يفضل الحسم العسكري على التهدئة، فهذه الشروط تدعم مركزه من حيث أنها تقوي حجته الأساسية وهي أن "حماس" يمكن أن تستغل هذه التهدئة لتدعيم قوتها المسلحة والحصول على أسلحة أكثر تقدماً وتدريب مزيد من المقاتلين. وبعد تجربة إسرائيل المؤلمة مع "حزب الله"، أصبحت هناك حساسية شديدة من إمكان تكرارها بشكل ما في قطاع غزة إذا نجحت "حماس" في تطوير قدراتها العسكرية والقتالية. ولذلك يخشى بعض المؤثرين على صنع القرار الأمني في إسرائيل أن تبني "حماس" خلال فترة الهدنة -إذا حدثت- قوة تجعلها أكثر قدرة على المواجهة في مرحلة تالية. غير أن هذا الميل القوي إلى الحسم، وليس إلى التهدئة، لا يعني أن لدى إسرائيل رؤية واضحة لإدارة الصراع ضد قطاع غزة. فلم تكن إسرائيل محدودة الخيارات قليلة الحيلة في أي وقت مضى مثلما هي الآن. ويظهر ذلك في محدودية حرية الحركة أمامها في الخيارين الأساسيين اللذين يمكن أن يكونا مطروحين عليها اليوم، بخلاف خيار التهدئة، وهما إعادة احتلال قطاع غزة بكامله، أو السيطرة العسكرية المباشرة على قسمه الشمالي المتاخم لحدودها الجنوبية. فخيار إعادة احتلال القطاع ينطوي على صعوبات كبيرة رغم أن الجيش الإسرائيلي يستعد له عبر تدريبات مكثفة كان آخرها مناورة عسكرية واسعة في قاعدة التدريبات البحرية "تسيئيليم" جنوب إسرائيل. وشاركت قوات من جميع الوحدات القتالية في هذه المناورة التي أطلق عليها "الرفاَّص المتأهب" وفقاً لما نشرته "يديعوت أحرونوت" في 22 مارس الماضي. ويتبنى هذا الخيار عدد من أبرز القادة العسكريين، وفي مقدمتهم الميجر جنرال "أيدو نيهوشتان" رئيس إدارة التخطيط في الجيش الإسرائيلي. غير أن الصعوبات التي تكتنف هذا الخيار تفرض التأني فيه، وربما تدفع إلى التردد بشأنه. ونجاح "حماس" في الإمساك بأهم مفاصل غزة يجعل من الصعب اقتلاعها، أو إضعافها إلى الحد الذي يجوز معه للإسرائيليين الاطمئنان إلى إزالة التهديد. كما أن اجتياحاً شاملاً للقطاع سيحدث لا محالة خسائر واسعة على الجانبين. وقد تفوق الخسائر الإسرائيلية ما يمكن لحكومة أولمرت تحمله. لذلك يخشى رئيس الوزراء أن يساق إلى فخ تنصبه له "حماس" التي قد تحول خطر الاجتياح عليها إلى فرصة جديدة لها. فالخسائر الفلسطينية البشرية والمادية في صفوف المدنيين، والتي يستحيل تجنبها، قد تؤدي إلى تدعيم مركز "حماس" سياسياً على الصعيدين الفلسطيني والعربي، وربما أيضاً إلى إضعاف سلطة أبو مازن. فالاجتياح قد يوحد الرأي العام العربي، وليس فقط الفلسطيني، حول "حماس" التي فقدت بعض الاحترام الذي كانت تتمتع به بعد أن تصاعد صراعها ضد "فتح" على السلطة وأدى إلى إراقة الدم الفلسطيني. وثمة مشكلة أخرى في خيار إعادة الاحتلال، وهي عدم وجود استراتيجية انسحاب في المستقبل. وأحد شروط فاعلية هذا الخيار هو النجاح في الخروج بعد فترة معقولة وليس فقط في الدخول. غير أن أخطر مشكلات خيار إعادة الاحتلال هو أن تفشل القوات التي ستجتاح القطاع في وقف نهائي لإطلاق الصواريخ، وأن تتعرض في الوقت نفسه إلى هجمات يومية بأشكال مختلفة من إلقاء قنابل وزرع عبوات ناسفة، مروراً بالقنص وانتهاء بالعمليات الانتحارية. وإذا كانت القوات الإسرائيلية التي توغلت في شمال القطاع خلال عملية "الشتاء الساخن" قد أسرعت إلى الانسحاب، خوفاً من أن تصبح هدفاً سهلاً، فهذا مؤشر على صعوبة خيار إعادة الاحتلال. أما الخيار الثاني، وهو إعادة احتلال المنطقة الشمالية في غزة حيث يتم إطلاق الصواريخ على جنوب إسرائيل، فتكتنفه مشكلات لا تقل صعوبة. فلا جدوى من هذا الخيار إلا إذا تمكنت إسرائيل من تفريغ شمال غزة من معظم سكانه البالغ عددهم ثلاثمائة ألف نسمة. فالتكدس السكاني الشديد يتيح إخفاء الصواريخ وتحريكها من مكان إلى آخر في سيارات نقل صغيرة، لأنها لا تحتاج إلى منصات خاصة. وليس مضموناً أن يعرقل وجود قوات إسرائيلية نشاط العناصر الفلسطينية المدربة على إخفاء الصواريخ، والاختفاء معها. لذلك، فلا سبيل لإنهاء إطلاق الصواريخ من هذه المنطقة إلا عبر تفريغها. ومن الصعب أن يصمت المجتمع الدولي تماماً على عملية "ترانسفير" سافرة على هذا النحو. كما أن هذه العملية تمثل كارثة بالنسبة لمصر. فالفلسطينيون المطرودون من شمال القطاع لن يكون أمامهم إلا الغرق في البحر أو النزول جنوباً، حيث لا مكان يستوعبهم في وسط وجنوب القطاع. وبالتالي لن يكون أمامهم إلا التدفق عبر الحدود إلي سيناء، ولكن دون عودة هذه المرة لفترة قد لا تكون قصيرة. وهذا تهديد خطير للأمن القومي المصري لابد أن يخلق أزمة سياسية حادة. كما أن التطوير الذي حدث في أحد أنواع الصواريخ المحلية الفلسطينية قد يضعف جدوى هذا الخيار. فإذا صح أن مدى هذا الصاروخ أصبح 22 كيلومتراً، فهذا يعني أنه قد يصل إلى سديروت وأشكلون إذا أُطلق من وسط القطاع. وهكذا تبدو إسرائيل في وضع صعب الآن أكثر من أي وقت مضى، بمقدار ما يزداد التهديد النابع من قطاع غزة وتقل قدرتها على مواجهته عسكرياً، وترتفع التكلفة المستقبلية لتهدئة مؤقتة إذا استثمرتها "حماس" لترميم وتدعيم قدرتها القتالية. والمخرج الوحيد من هذا الوضع الصعب هو حل سلمي يمكن للقيادة الفلسطينية في رام الله أن تقبله دون أن تتهم بالتفريط أو الخيانة. لكن إسرائيل هي التي تغلق هذا المنفذ السهل نسبياً فتزيد وضعها صعوبة، لأنها لا تريد الاعتراف بعد بأن لكل شيء ثمناً. فإذا كان "العشاء المجاني" غير موجود، فكذلك الحال بالنسبة إلي الأمن، فلا أمن بدون حل معقول لقضية فلسطين.