هناك رأيان بشأن الأزمة المالية الحالية: الأول، هو ذلك القائل بأننا نواجه حالة انفجار لفقاعة عقارية، ناتج عن سياسة نقدية متسيبة، وعمليات إقراض دون ضمانات كافية، واستخدام تشكيلة معقدة من الأوراق المالية. أما الرأي الثاني، فهو إننا نواجه حالة انفجار لهذه الفقاعة، ولفقاعة أخرى مخيفة، ظلت تتكون ببطء منذ عهد ريجان. والفقاعة الثانية هذه هي في الحقيقة نتاج ربع قرن من التوسع في الإقراض، والثقة الزائدة في الدولار، والثقة المتضخمة في الأسواق. والمدافع الرئيسي عن التحليل الخاص بالفقاعة المزدوجة هو "جورج سوروس" المدير الاستثنائي لـ"صناديق التحوط"، وهي وعاء استثماري خاص يضم أعدادا محددة من المستثمرين، غرضه الاستثمار في الأوراق المالية، وغير خاضع للتسجيل لدى الجهات الرقابية، لأنه عقد بين المستثمر والجهة المسؤولة عن إدارة الصندوق. فكتاب "سوروس" الأخير المنشور إليكترونياً الأسبوع الماضي، يتوقع انفجار الفقاعة الثانية الذي سيكون مصحوباً بتداعيات مخيفة كما يقول. ليس بنا حاجة بالطبع للموافقة على كل جزء من أجزاء حجة سوروس، حتى نؤمن بصحة تشخيصه القائل: إن التعامل مع الفقاعة العقارية لن يكون كافياً وحده، وإنما يجب أيضاً وضع عملية التوسع في الإقراض تحت السيطرة. خلال السنوات الواقعة بين 1950 – 1980، ارتفع معدل الإقراض في الولايات المتحدة ببطء- مقارنة بحجم الاقتصاد- وذلك قبل أن ينطلق بقوة في بداية عقد الثمانينيات. في ذلك الوقت تم استغلال كل دولار بلا هوادة، وأتخم خبراء حقوق الملكية الخاصة الشركات بالديون، وقامت صناديق التحوط بالمتاجرة في الأوراق المالية على الهامش النقدي(أي من خلال تمكين المستثمر من التداول في سوق العملات الأجنبية بمبالغ كبيرة مقابل إيداعات نقدية معقولة). وقدمت البنوك القروض بسخاء دون أخذ الاحتياطات الكاملة. وكل تلك الروافع المالية(الرافعة المالية هي نسبة مبلغ التأمين المدفوع مقابل الاقتراض إلى كامل قيمة العقد) أثمرت عوائد مجزية خلال فترات معقولة. والسؤال هنا هو: لماذا أقبل الأميركيون على الاقتراض بشراهة؟ هناك عدة أسباب:الأول، إنهم قد فعلوا ذلك لأن الديون كانت متاحة. فالدولار كما هو معروف هو عملة الاحتياطي العالمي، وامتلاك الدولارات، وإيداعها في البنوك ظل في نظر الكثيرين ولفترة طويلة، أسلم طريقة للادخار وأكثرها أماناً. ولذلك فإن ما كان يحدث هو أنه كلما كان الأميركيون يبدون رغبة للاقتراض، فإن المدخرين في مختلف أنحاء العالم، كانوا على استعداد لتقديم رأس المال اللازم. ونظراً لأن الكثير من المستثمرين نظروا إلى الولايات المتحدة على أنها ملاذ آمن لاستثماراتهم، فإن النقود كانت تتدفق عليها في الخارج، عند أول بادرة لحدوث متاعب وهو ما كان يؤدي إلى رفع قيمة أي شيء بالتالي بدءاً من الأسهم والسندات وحتى العقارات. والسبب الثاني في إقبال الأميركيين على الاقتراض بشراهة، هو أن الاقتراض لم يكن يبدو كشيء خطر. فكلما كان شبح الإفلاس كبيراً كان المنظمون- وعلى رأسهم الاحتياطي الفيدرالي - يبدؤون في عملية إنقاذ من خلال تخفيض مخاطر الإقراض للاعبين الكبار. ومن دون تدخل الاحتياطي الفيدرالي، فإن الناس الذين كانوا يقرضون بنكاً كبيراً مثل بنك"بير شتيرن" على سبيل المثال أو الذين كانوا يشترون أوراقه المالية، كان محتماً أن يصابوا بخسائر فادحة. وهناك سبب ثالث، كان يدعو المقرضين إلى النظر إلى الاقتراض على أنه شيء غير خطر، وهو أنهم كانوا يتوقعون أن الخسارة إذا ما وقعت، فإنها ستكون ضئيلة وقابلة للاستيعاب، وبالتالي فإن الاحتفاظ بوسادة مالية رقيقة سيكون إجراء كافيا؟ (الوسادة المالية احتياطي مالي يستخدم لتخفيف حدة الصدمات المتوقعة من تراجع السوق أو وجود عقارات شاغرة لفترة طويلة). كل ذلك كان كفيلاً باستمرار عملية الإقراض في التزايد بشكل مطرد. والكابوس هنا هو أن يتبع هذه العملية التي استمرت لفترة طويلة فقدان للثقة في الولايات المتحدة، بما يدفع المستثمرين إلى التوجه إلى الاحتفاظ باليورو بدلاً من الدولار، وهو ما سيؤدي بالتالي إلى ركود الاقتصاد الأميركي. وإذا ما ثبت أن نظرية الفقاعة المزدوجة هذه صحيحة، فإن السلطات المختصة لن تتمكن من حمايتنا من الأوقات الصعبة التي ستواجهنا. ولكن ماذا يجب على تلك السلطات أن تفعل؟ الشيء الذي يجب على تلك السلطات القيام به هي أن تأخذ حذرها وتبتعد عن السياسات التي ستؤدي إلى تضخم هذه الفقاعة أكثر مما هي متضخمة حالياً، بما يؤدي إلى تخفيف الآثار والتداعيات السلبية التي ستحدث في النهاية إلى أقل حد ممكن. وهناك نقطة مهمة أخرى، هي أن السلطات لو قامت بإنقاذ بنك مثل "بيرشتيرن" الذي واجه أزمة تعثر مالي مؤخراً، من خلال ضخ المزيد من السيولة في "وول ستريت" دون أن تفكر في تأثير ذلك على تعزيز ثقافة الاقتراض، فإن ذلك سيكون بمثابة إجراء طائش ومستهتر في الحقيقة. فعمليات الإنقاذ الضرورية، التي يجب تنفيذها الآن، لابد وأن تكون متبوعة أيضاً بالانضباط الضروري الذي سنحتاج إليه في المستقبل. وهناك إصلاحان مهمان يبرزان في هذا السياق: الأول، أن الأوراق المالية المعقدة التي كان يجري تداولها "على الكاونتر" بين البنوك وصناديق التحوط وغيرهما، يجب أن يتم إدخالها- كلما كان ذلك ممكنا- في نظام البورصات، لأن ذلك هو الذي سيؤدي إلى تخفيف الضغط الذي يقع عادة على الاحتياطي الفيدرالي من أجل التدخل والقيام بعمليات إنقاذ كلما تأزم الموقف. أما الإصلاح الثاني، فهو في الحقيقة مستمد من درس قدمته السلطات الإسبانية الذكية، التي كانت تطلب من المقرضين أن يزيدوا وساداتهم المالية خلال فترة ازدهار الأسواق. ولو قام العالم باتباع النموذج الإسباني في الإقراض، فذلك سيكون في رأيي إقراراً مناسباً- وفي توقيت سليم- بأن أميركا قد فقدت تفوقها المعروف في مجال السياسات المالية. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سباستيان مالابي كاتب ومحلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"