قد يتساءل البعض ما هو سر اهتمامي الشديد بأفكار د. نبيل علي في كتابه الأخير "قضايا عصرية: رؤية معلوماتية"؟ والإجابة، لأنني أشترك معه في قراءة مشابهة لتحولات المجتمع العالمي، والتي ترى أن النماذج القديمة في السياسة والاقتصاد والمجتمع والثقافة قد سقطت، وأننا نمر بمرحلة أزمة في النموذج الحضاري الذي ينبغي أن يحل محل النموذج القديم. وفي هذا الإطار تتصارع الأفكار وتبزغ رؤى جديدة، ويتم استشراف المستقبل بطرق مستحدثة. وبالنسبة لي كانت بداية قراءتي النقدية للعالم الجديد الذي بدأت تتضح معالمه رويداً رويداً بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، ونهاية مرحلة الحرب الباردة عام 1990. كنتُ قد انتقلت من القاهرة إلى عمان لأشغل منصب الأمين العام لمنتدى الفكر العربي. وكتبت نصاً بعنوان "تغيير العالم: جدلية السقوط والصعود والوسطية". وقد احتوى هذا النص الذي نشرته من بعد في كتابي "الوعي التاريخي والثورة الكونية: حوار الحضارات في عالم متغير" (القاهرة: مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، الطبعة الثانية، 1995). على المفردات الأولى لمشروعي العلمي الجديد الذي أعدت فيه صياغة إطاري النظري في العلم الاجتماعي. وحين أعيد قراءة هذا النص الآن أجدني في فقرة لها دلالة بعنوان "نحو حضارة عالمية جديدة" أطرح سؤالاً رئيسياً مفاده: "ما الذي جرى في العالم؟ وما هو تفسيره، وما هي صورة النظام العالمي الجديد الآخذ في التشكل الآن ببطء وإن كان بثبات؟" وفي الإجابة على هذا السؤال أخذت أتلمس مؤشرات التغير، وأخطرها سقوط الأنظمة الشمولية التي كانت تقوم على احتكار الحزب الواحد للسلطة، وصعود موجة الليبرالية والتعددية السياسية. وأضفت بالنص "ومعنى ذلك سقوط الأنساق السياسية المغلقة والتي كانت تحتكر الحقيقة السياسية، وظهور أنساق سياسية مفتوحة، تتعدد فيها الأصوات، وتبرز المعارضة وتتنافس الأحزاب والجماعات السياسية". وتقدمت في البحث وتجاسرت، وصغت نموذجاً جديداً بعنوان "النموذج التوفيقي" توقعت أن يكون أساس النظام العالمي المقبل، والذي يقوم على أساس انهيار الثنائيات الشهيرة التي سادت المناخ الفكري في القرن العشرين، حين كان المفكرون -على سبيل المثال- يقولون إما العلمانية وإما الدين، وإما القطاع العام وإما القطاع الخاص. ففي هذا النموذج التوفيقي سيتم -كما تنبأت وقتها- التأليف المُحكم بين متناقضات ما كان يُظن أنه يمكن التوفيق بينها. ولعلي اهتديت في طرح هذه الفكرة بقواعد المنهج الجدلي الشهيرة التي تتحدث عن متتابعة طرح الفكرة Thesis ثم نقيض الفكرة Antithesis وأخيراً التأليف بين النقيضين Synthesis. وكان واضحاً في ذهني تماماً أن الذي يكمن وراء ظهور حضارة إنسانية جديدة هو الانتقال من مجتمع الصناعة إلى مجتمع المعلومات. وقد دفعتني هذه الدراسة المبكرة إلى استكمال البحث في تجليات تحولات المجتمع العالمي، وهكذا صغت مفهوم "الثورة الكونية" التي هي ثورة مثلثة الأبعاد. "ثورة سياسية" شعاراتها الديمقراطية والتعددية واحترام حقوق الإنسان. و"ثورة قيمية" تتمثل في الانتقال من القيم المادية إلى القيم ما بعد المادية. وأخيراً "ثورة معرفية" شعارها الانتقال من الحداثة إلى ما بعد الحداثة. وحين أتأمل الآن المقترحات التي يقدمها نبيل علي في مجال الحاجة الماسة إلى تنظير اجتماعي جديد، أجدها جميعاً وبلا استثناء تنبع من قراءة متميزة للمجتمع العالمي، تقترب منها كثيراً قراءتي لنفس المجتمع. يدعو نبيل علي -من بين ما يدعو إليه- إلى إقامة جسور الوفاق وإظهار أوجه التناقض بين المحلي والعالمي وبين العام والخاص وبين الحكومي وغير الحكومي وبين الرسمي وغير الرسمي وبين النخبوي والجماهيري. وأنا أعتبر ذلك تطبيقاً خلاقاً لفكرة النموذج التوفيقي الذي سبق أن دعوت إليه، وحددت بدقة بعض تجلياته. قلت في دراستي السابق الإشارة إليها إنه "ستكون هناك محاولات للتوفيق بين الفردية والجماعية على الصعيد الإيديولوجي والاقتصادي والسياسي، وبين العلمانية والدين، وبين عمومية مقولة الديمقراطية وخصوصية التطبيق في ضوء التاريخ الاجتماعي الفريد في كل قُطر، وبين القطاع العام والقطاع الخاص، وبين الاستقلال الوطني والاعتماد المتبادل، وبين المصلحة القطرية والمصلحة الإقليمية، وبين الأنا والآخر على الصعيد الحضاري، وبين الدولة الكبيرة المركزية والمجتمعات المحلية التي تسودها اللامركزية، وبين الإعلام القُطري والإعلام العالمي". ويقترح نبيل علي من ناحية أخرى "ضرورة التخلص من الحتميات التي خلفها الماضي" و"التعامل مع عدم اليقين" كعنصر جوهري كامن في صلب الكائنات والكيانات "مادية كانت أم غير مادية". والواقع أن هذا الاقتراح هو ترجمة فعلية لإحدى دعوات تيار ما بعد الحداثة الذي حددنا بدقة معالمه في نظريتنا عن الثورة الكونية. فقد قررنا أن أحد الشعارات الأساسية لما بعد الحداثة -كما أبرز ذلك بوضوح الفيلسوف الفرنسي "ليوتار" في كتابه المعروف "الظرف ما بعد الحداثي"- هو سقوط الأنساق الفكرية المغلقة، وهي الترجمة التي نفضلها للمصطلح الإنجليزي Metanarrative الذي ترجمه البعض بـ"الخطابات الكبرى" أو بـ"السرديات الكبرى" مما جعل الفكرة المهمة التي ينطوي عليها لا تفهم! سقوط الأنساق الفكرية المغلقة يعني سقوط الحتميات -بعبارة نبيل علي- التي كانت تقوم على أن بعض الأطراف تملك الحقيقة المُطلقة! غير أن الأهم من سقوط الأنساق الفكرية المغلقة هو انفتاح المجال أمام بزوغ الأنساق الفكرية المفتوحة Open systems بتأثير تفاعلات مجتمع المعلومات العالمي الذي يتطور -ببطء وإن كان بثبات- إلى مجتمع المعرفة. ومجتمع المعرفة سيقوم على أساس تنمية الإبداع والاعتماد على الأنساق الفكرية المفتوحة، القادرة على مواجهة مشكلات العالم الجديد المعقدة، والتي لم تعد تصلح معها القاعدة المنهجية القديمة الموروثة منذ عصر الفيلسوف "كانط" وهي "أن لكل مشكلة حلاً". فقد أدت التفاعلات المعقدة للمجتمع العالمي المعاصر إلى ظهور مقولة جديدة تحتاج إلى التأمل النقدي، وهي أن هناك مشكلات لا حل لها! هل هذه المقولة صاغها عدد من المفكرين المحافظين دفاعاً وتبريراً للأنظمة السياسية العاجزة التي فشلت في حل مشاكل الجماهير العريضة، أم أنها تعبر عن مدى التعقيد في مجتمع المخاطر Risk Society، الذي نعيشه إذا استخدمنا في ذلك نظرية عالم الاجتماع الألماني "إيرليشن بيك"؟ سؤال مهم، لأن اجتهادات نظرية ملفتة للنظر قد ظهرت في هذا الاتجاه، لعل أبرزها الكتاب الشهير للاقتصادي الأميركي "جيرمي ريفكن" المعنون: "نهاية العمل" والذي يقرر فيه أن هناك أجيالاً كاملة من البشر لن يتاح لها في المستقبل أن تمارس خبرة العمل في حياتها! نتيجة التطورات التكنولوجية في مجال الإنتاج. ما هي صحة هذه المقولة؟ وهل يتحمل المجتمع الإنساني أيا كان موضعه أجيالاً كاملة ستحرم من خبرة العمل المنتج، بما في ذلك آثاره النفسية والاجتماعية والثقافية؟ وإذا عدنا مرة أخرى لمقترحات نبيل علي المهمة في مجال الحاجة إلى تنظير اجتماعي جديد، نراه يلمس نقطة بالغة الأهمية وهي ضمان عدم طغيان القيم المادية على القيم الروحية، والاهتمام بموضوع مواثيق الأخلاقيات على اختلاف أنواعها في مجتمع المعلومات. ويمكن أن نضع هذا الاقتراح في إطار الثورة القيمية التي تحدثنا عنها في سياق الثورة الكونية وهي الانتقال من القيم المادية إلى القيم ما بعد المادية. هذا التحول الثقافي المهم الذي اكتشفه العالم السياسي الشهير "انجلهارت" الذي قام بمسح عالمي عن القيم في ثلاث وأربعين دولة. وفي تقديرنا أن أحد أهداف التنمية المتطورة في العقود الأخيرة وهو الاهتمام بـ"نوعية الحياة" قد تحول إلى سؤال وجودي يطرحه الناس في ظل ثقافات متعددة وهو "ما هو معنى الحياة"؟ ومعنى ذلك إذا ما استخدمنا عبارة "دانيل بل" عالم الاجتماع الأميركي، أننا نشهد حركة عالمية تتمثل في "العودة إلى المقدس". ويبقى اقتراح مهم لنبيل علي وهو أهمية التخفيف من سطوة التدرجات الهرمية وتبني النمط الشبكي القادر على استيعاب التفاعل بين أنواع الخطابات المختلفة والمتباينة التي تسري داخل الكيان المجتمعي. هذا الاقتراح يثير في الواقع أهم تطور لحق بالمجتمع الإنساني، وهو الانتقال إلى نموذج المجتمع الشبكي NetworkSociety الذي صاغ نظريته الشاملة بعبقرية فذة عالم الاجتماع الأميركي "كاستلز" في ثلاثيته الشهيرة: "المجتمع الشبكي، وقوة الهوية، ونهاية الألفية". وهذا موضوع يحتاج إلى معالجة مستقلة.