تتصاعد أهمية الحوار على المستويات كافة، سواء اتصل ذلك بالدول والمجتمعات والحضارات، أو بمكونات هذه المجتمعات والحضارات الداخلية ذاتها. ومن المعروف أن خطاب "الحوار الحضاري" قد ازدادت حدّته وارتفعت عقيرته، خصوصاً مع الإرهاصات الأولى للنظام العالمي الجديد، وظهور أطروحة صراع أو صدام الحضارات، التي تحدث فيها البريطاني صموئيل هنتنغتون. وراح الأمر يبدو كأنه منحصر في الحضارات كلها من طرف والحضارة الغربية تحديداً من طرف آخر، بالرغم من أن الباحث المذكور تحدث عن ثماني حضارات رئيسة في العالم، منها الصينية والإسلامية. ويهمنا من ذلك أن أمرين اثنين من المسألة غابا عن الحضور الملحوظ، وهما الحوار بين "تلك" الحضارات المسكوت عنها نفسها أولاً، والحوار بين مكوِّنات المجتمعات المعنية بهذه الحضارة أو بتلك ثانياً. ولعل هذا الأمر الأخير ذو أهمية خاصة بالنسبة إلى البلدان العربية وتلك الأخرى، التي لا تدخل في الحقل الغربي الأوروبي والأميركي تخصيصاً. وفي هذه الحالة، نسعى إلى ملامسة ما يتعلق بالحوار بين العرب وبين الشعوب غير الغربية، وتحديداً بين أولئك والصينيين. وجدير بالذكر أن علاقات بين المذكورين، كانت ذات حضور في مراحل معينة من تاريخيهما، وهذا ما يقدمه لنا عدد من المؤرخين والجغرافيين والكُتاب والمؤلفين العرب. ونأخذ هنا، على سبيل المثال، المسعودي من القرن العاشر الميلاد، وهو من نسَب يعود إلى الصحابي عبدالله بن مسعود. كتب المسعودي كتاباً مهماً تتصل المادة التي ضمَّنه إياها بعدة أنساق معرفية، خصوصاً منها التاريخ والجغرافيا والإناسة، (الأنثروبولوجيا)، فتحدث عن العادات والاعتقادات الدينية، وعن بعض الحيوانات وبعض المعالم الجغرافية مثل الأنهار. وهو يأتي في كتابه هذا الذي يحمل عنوان "مروج الذهب ومعادن الجوهر"، على ما لاحظه في حياة ملوك الصين الدينية والعقلية، ويتوقف عنده. يقول المسعودي:"إن ملوك الصين ذوو آراء ونحل، إلا أنهم مع اختلافهم غير خارجين عن قضية العقل والحق في نصب القضاة والحكام وانقياد الخواص والعوام على ذلك. وزعموا أن المُلك لا يثبت إلا بالعدل، فإن العدالة ميزان الرب". وكي نعمّق الرأي في الصينيين بعيون عربية، نشير إلى ما ذكره المؤرخ الشهير الطبري في تاريخه- وكان أتى قبل المسعودي- من خبر الحوار الطريف والمهم، الذي دار بين رجالٍ أرسلهم قتيبة بن مسلم الباهلي إلى ملك الصين عام 756 للميلاد، فقالوا له:إن كبيرهم أقسم "أن يطأ أرض الصين ويفتحها ويختم على ملوكها، ويُعطى الجزية". فأجابهم الملك:"إنّا نُخرجه من يمينه، نبعث إليه بتراب من أرضنا فيطأه، ونبعث بجزية يرضاها، ونبعث إليه بعدد من أبنائنا". وكان ذلك! فقد وطأ قتيبة التراب، وقبل الجزية، وانتهت المشكلة. نستنبط من الخبرين المذكورين، فكرة ذات بعد تأسيسي على صعيد الحوار بين العرب والصينيين، في تاريخ العلاقات بينهم. فبغضّ النظر عمّا يمكن أن يكون قد خالط ما قدّمه المؤرّخان من مبالغة وعزوف عن الأسباب الاستراتيجية التي كمنت وراءه، نضع يدنا على أن الفريقين عملا بحيث لا ينزلقان باتجاه الاحتراب والصراع العسكري. ومن شأن هذا الإشارة إلى أنه إلى جانب خيار الصراع العسكري بين شعبين ينتميان إلى حضارتين مختلفتين، يوجد خيار السلم والحوار الذي قد يُفضي إليه. لقد أوغل العرب في الدعوة إلى الحوار مع الغرب في العصر الحديث وحتى الآن؛ وأهملوا العوالم الأخرى، فخسروا ربما الكثير. ويتضح أن هذه الخسارة لا تُعوَّض إلا بالنظر إلى حضارات العالم وعوالمه على نحو متوازن في المصالح المختلفة. ولعلنا نلاحظ أن ذلك الموقف العربي الحديث والمعاصر لم يفوِّت عليهم فهْم الغرب بصيغة تاريخية دقيقة فحسب إذا نظروا إليه -في العام والإجمالي- كما أراد مؤسِّسو "المركزية الأوروبية" ثم مؤسِّسو "المركزية الأميركية"، بل جعلهم يفرّطون، كذلك، بـ"اكتشاف" العوالم الحضارية الأخرى؛ ودلّلوا -بذلك- على قصور معرفي تاريخي، وعلى تضحيتهم بمصالح أخرى مهمة قد تربطهم بشعوب تلك العوالم. وسيظهر تصويب ذلك الموقف بأهمية خاصة، إذا وضعنا في الاعتبار أن فِخاخ العولمة قد تُظهرها في أعين قليل أو كثير من العرب على أنها خلاص البشرية الأخير.