"الجبل الأسود"… كشف حساب الاستقلال



حين تعرف العالم على دولة جديدة اسمها الجبل الأسود (مونتينيغرو)، قبل أقل من عامين من الآن، كانت المشكلات المطروحة أمام الدولة الوليدة، هي تقريباً ذات المشكلات التي تبرز في حالات كهذه؛ أي تثبيت الاستقلال السياسي، ونيل الاعتراف الخارجي، وبناء وترسيخ المؤسسات، وتعزيز الوحدة الداخلية، وإشادة الهياكل الاقتصادية والمرافق الخدمية، وضبط القوانين والنظم الإدارية والتعليمية وفقاً لهوية الكيان الجديد... أما اليوم فالقضية الرئيسية في أول انتخابات رئاسية تشهدها الجبل الأسود، هي الموقف من استقلال كوسوفو، وما إذا كان ينبغي الاعتراف بأحدث بلد مستقل في مسلسل ولادات الدول المتوالية في منطقة البلقان!

في 21 مايو 2006 جرى استفتاء لاستقلال جمهورية الجبل الأسود عن صربيا، وقد صوت 55.5% من المقترعين لصالح الاستقلال، أي ما يزيد بنصف نقطة عن النسبة التي حددها الاتحاد الأوروبي في قاعدة صارمة ولا سابق لها في أوروبا. فبعد تفكك يوغسلافيا الاتحادية، بانفصال سلوفينيا وكرواتيا والبوسنة والهرسك ومقدونيا، خلال حروب البلقان في تسعينيات القرن الماضي، لم يبق ضمن الاتحاد اليوغسلافي سوى جمهوريتي صربيا والجبل الأسود، فأعادتا تسمية الاتحاد عام 2003 ليصبح "اتحاد صربيا والجبل الأسود"، وذلك بموجب معاهدة رعاها الاتحاد الأوروبي تجنباً لقلاقل جديدة في البلقان بسبب استقلال الجبل الأسود. وقررت المعاهدة أن تشكل الجمهوريتان اتحاداً بينهما ينهي رسمياً الدولة الاتحادية اليوغسلافية، على أن يتم استفتاء لتقرير المصير في الجبل الأسود بعد ثلاث سنوات على توقيع المعاهدة، وبشرط أن تزيد نسبة المشاركة في الاستفتاء عن 50%، وأن يصوت لصالح الاستقلال ما يفوق 55% من المقترعين. وفي ظل وجود رقابة أوروبية ودولية للاستفتاء، حققت نتيجته شروط الاتحاد الأوروبي للاعتراف باستقلال مونتينيغرو، ويعود ذلك إلى تركيبتها السكانية المعقدة، والتي تشبه تركيبة البوسنة والهرسك؛ فبينما توجد أقلية صربية كبيرة (31% من مجموع السكان) تعارض الاستقلال وتفضل البقاء في دولة واحدة مع صربيا حفاظاً على وضعها كأغلبية، كان للمسلمين (ألبان وبوشناق) دور حاسم في ترجيح خيار الاستقلال، إذ لم تكن نسبتهم في اتحاد صربيا والجبل الأسود تزيد عن 3%، لكنها في الجبل الأسود ترتفع لتصل 23%، وعلى ضوء ذلك تعهدت الأحزاب والقوى الاستقلالية الرئيسية بمراعاة النسبة الأخيرة لصالح المسلمين في توزيع المناصب العامة. وهكذا كانت الجبل الأسود، الجمهورية اليوغسلافية الوحيدة التي نالت استقلالها دون عنف وإراقة دماء.

ويعد استقلال الجبل الأسود عام 2006، تصحيحاً لخلل استمر منذ نهاية الحرب العالمية الأولى؛ فقد كانت مونتينيغرو دولة ذات جذور تاريخية في البلقان ومملكة على رأسها سلالة "بتروفيتس"، والتي كانت منافساً للسلالة الحاكمة في صربيا المجاورة (كاراجورجفيتش). لكن في ظل غياب ملك الجبل الأسود بسبب الحرب، تأتّى لبلغراد ضم بلاده إلى "مملكة الصرب والكروات والسلوفيين" التي أعلنت عام 1918، قبل أن تصبح "يوغسلافيا الاتحادية" عام 1945، حيث استعادت الجبل الأسود حدودها التاريخية وأصبحت جمهورية فيدرالية ضمن يوغسلافيا الجديدة. لكن بعد دخول يوغسلافيا مرحلة التفكك منذ عام 1991، كانت الجبل الأسود الجمهورية اليوغسلافية السابقة الوحيدة التي اختارت البقاء تحت كنف جارتها الأكبر (صربيا)، وكان زعيمها يومئذ "مومير بولاتوفيتش" الحليف الاشتراكي العنيد للرئيس اليوغسلافي "سولوبودان ميلوسوفيتش". غير أن حلم الاستقلال كان كامناً تحت الرماد. ففي عام 1991 ترأس حكومة الجبل الأسود، وبدعم من ميلوسوفيتش نفسه، شاب في التاسعة والعشرين من عمره هو "ميلو ديوكانوفيتش" الذي أخذ منذ عام 1996 يوجه بعض الانتقاد إلى ميلوسوفيتش، كما بدأ يعبر عن ميوله الاستقلالية ومواقفه المؤيدة للغرب. وكانت القوى الغربية الكبرى قد أبدت عزمها على إنهاء ما تبقى من "يوغسلافيا الاتحادية" وعزل نظامها القائم حينئذ بقيادة ميلوسوفيتش، ومن ثم أيدت استقلال الجبل الأسود، لاسيما أنه يحرم صربيا من منفذها البحري الوحيد على بحر الأدرياتيكي. لكن قوى الاستقلال أخفقت في استفتاءِ عام 2001، كما ظهرت شكوك جديدة حول إمكانية قيام دولة مستقلة في الجبل الأسود؛ فالجمهورية الواقعة جنوبي شرق أوروبا، والمطلة على بحر الأدرياتيكي، والمحاطة بكل من صربيا وكرواتيا والبوسنة والهرسك وألبانيا، لا تزيد مساحتها على 13 ألف كيلومتر مربع، ويقل عدد سكانها عن 700 ألف نسمة، ولا يتجاوز ناتجها الداخلي الخام 1.5 مليار دولار، بينما يعتمد اقتصادها على السياحة بنسبة 20%. وإلى ذلك فقد بدأت قوى غربية عديدة تميل إلى خيار الإبقاء على الاتحاد بين الجبل الأسود وصربيا لئلا تنهار شعبية "فويسلاف كوشتونيتسا" زعيم صربيا الجديد حينئذ والمدعوم من الغرب.

لكن أخيراً تحقق الاستقلال في ظل موقف غربي أقرب إلى الحياد، وهاهي الجبل الأسود وقد أجرت يوم أمس أول انتخابات رئاسية منذ استقلالها، حيث يتنافس أربعة مرشحين، يبدو أن أوفرهم حظاً هو الرئيس المنتهية ولايته "فيليب فويانوفيتش" الذي تمنحه استطلاعات الرأي نسبة 51% من نوايا التصويت، هو مرشح "حزب الاشتراكيين الديمقراطي" بزعامة رئيس الحكومة ومهندس الاستقلال "ميلو ديوكانوفيتش". وقد ركز فويانوفيتش في حملته الانتخابية على الإشادة بالمنافع التي جلبها الاستقلال لصالح اقتصاد الجبل الأسود، وتتصدر "كشف حسابه" اتفاقية التقارب مع الاتحاد الأوروبي، وعضوية منظمة الأمن والتعاون في أوروبا… علاوة على العضوية المتوقعة في الاتحاد الأوروبي عام 2012.

ورغم الأهمية التاريخية والرمزية لهذه الانتخابات، فإن منصب رئيس الجمهورية في النظام السياسي للجبل الأسود، منصب فخري، وإن كان يتمتع -وفقاً لدستور نوفمبر 2006- بصلاحيات حل البرلمان وإعلان الحرب وفرض الطوارئ. وبينما يتحاشى فويانوفيتش (محام، 53 عاماً) الخوض في مسألة استقلال كوسوفو، خشية إثارة حفيظة الصرب، فهو يعتبر نفسه المرشح الوحيد الذي "ناضل من أجل الاستقلال"، متهماً خصومه بأنهم "ناضلوا ضد الجبل الأسود"… أما مواطنوه الألبان فيتمنون أن لا يتم تأجيل الاعتراف بكوسوفو إلى ما لانهاية، اعتباراً لأوجه الشبه بين تجربتي الجمهوريتين!



محمد ولد المنى