انتهت يوم الأربعاء الماضي فعاليات المؤتمر السنوي الثالث عشر لمركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، حيث نوقشت أكثر من 20 ورقة بحثية كلها تحاول الإجابة على جدلية العلاقة بين المحافظة والتغيير في الخليج. ورغم حقيقة أن منظمي المؤتمر كانوا يحرصون على إيجاد إجابة واضحة وصريحة حول مستقبل المنطقة في ظل المتغيرات الداخلية والإقليمية والدولية، إلا أن الحوار والجدل بين المشاركين أضاف تساؤلات جديدة أكثر مما اهتم بتقديم إجابات، ويعود ذلك إلى صعوبة الإجابة على التساؤلات المطروحة، ومنها على سبيل المثال: هل دول الخليج جادة فعلاً في إجراء الإصلاحات المطلوبة لتحديث بلدانها؟ فإذا كانت الإجابة بنعم، فهل يمكن نقل مجتمعات الخليج ودوله من دول تقليدية ريعية محافظة إلى دول حديثة تأخذ بروح العصر وتبتعد عن القيم والعادات البالية؟ بلدان الخليج تواجه إشكالية كبيرة في عصر العولمة اليوم، فهي من جهة تتصور أنه يمكنها المواءمة بين الدولة المحافظة ذات الأصول القبلية والمجتمع التقليدي المحافظ من جهة، وبين عصر العولمة والحداثة الذي يتطلب تغييرات جذرية في كل مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية وغيرها. قادة الخليج يفاخرون بإعلان الحرص على عادات بلدانهم وقيمها وخصوصياتها الثقافية والحضارية والدينية... وهذا شيء جميل وحق من حقوقهم، لكن ماذا ستفعل هذه الدول في حالة تناقض وتنافر هذه المفاهيم مع قيم العدالة والمساواة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان خصوصاً ان هناك ضغوطا عالمية على هذه الدول لقبول مشاركة المرأة في التنمية ولقبول "الحقوق الإنسانية" للعمالة الوافدة... وضغوطا داخلية تطالب بالمساواة بين المواطنين؟! هناك تصور خاطئ لدى دول الخليج يتلخص في أن الانفتاح الاقتصادي هو الأساس نحو تحقيق التنمية والحداثة، دون قبول مبدأ المشاركة السياسية وتحقيق مبدأ العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص للجميع، بينما توجد دول خليجية أخرى تعمل على تعزيز مبدأ المشاركة السياسية عن طريق مجالس منتخبة ديمقراطياً يمكن من خلالها إجراء الحوار والنقاش العقلاني والتوصل إلى تحقيق الهدف المنشود للتنمية، كما هو في تجربة الكويت والبحرين. ونجد صعوبات ومشاكل جديدة تعترض التنفيذ في الدول الخليجية التي فتحت بلدانها اقتصادياً، ونجحت في تقليل الاعتماد على النفط كمصدر وحيد للدخل، وسمحت بالانفتاح الاجتماعي، لكن هناك قصورا في المشاركة السياسية مما أدى إلى تهميش دور المواطنين في عملية التنمية والتغيير واعتمدت التجربة على العمالة الأجنبية بشكل مكثف... فلمن التنمية إذن إذا لم يشارك فيها المواطنون؟ نموذج الانفتاح السياسي الديمقراطي بدوره حقق نجاحاً باهراً في تعزيز مفهوم الحرية السياسية والمشاركة السياسية وحرية الكلمة والإعلام، لكن نموذج الانفتاح السياسي والديمقراطي في كل من الكويت والبحرين أوصل إلى قبة البرلمان نواباً منتخبين من قبل الشعب يفتخرون بانتمائهم القبلي والطائفي قبل انتمائهم للوطن، كما أوصلت الانتخابات الحرة نواباً ينتمون إلى أحزاب الإسلام السياسي من "إخوان المسلمين" وحركة سلفية وحركات وأحزاب شيعية متطرفة... المصيبة أن كل هؤلاء يطالبون بإقامة دولة دينية بدلاً من الدولة المدنية بمعنى آخر هم يريدون تقويض الأنظمة الحاكمة الحالية واستبدالها بحكم الملالي والمشايخ المعممين، وهذا مخالف لروح الدستور في كل من الكويت والبحرين! السؤال المطروح على مواطني دول الخليج اليوم.. هل تريدون دولة دينية يحكمها الشرع ومجالس الشورى، وهي تجربة فشلت في إيران والسودان وأفغانستان على عهد "طالبان"، أم تريدون نموذج دولة ديمقراطية تعددية مدنية يحكمها الدستور والقانون واحترام حقوق الإنسان، ولا يلعب الدين أي دور في إدارتها..؟ تجربتنا التاريخية تخبرنا أن دول الخليج العربية سوف تستمر في تعزيز مفهوم دولة الرعاية، حيث تلعب الدولة دوراً جوهرياً في مجال الاقتصاد والسياسة والثقافة ويتم فيها تهميش دور المجتمع، وما دامت أسعار النفط مرتفعة فهي تجعل من السهل على الدولة الاستغناء عن المجتمع... ومعنى ذلك، سيستمر عقد الندوات والمحاضرات حول مستقبل دول الخليج، ولن يتغير شيء رغم كل المتغيرات على الساحة محلياً وإقليمياً ودولياً.