لعل تصاعد الاضطرابات في التبت يلفت النظر إلى أن الثوران الديني خالط كل الديانات وما عاد قصراً على الديانات الإبراهيمية أو على البروتستانتية والإسلام. فالبوذية المنتشرة بشرق وجنوب شرق آسيا أدنى في الأصل إلى أن تكون مذهباً أخلاقياً من أن تكون ديناً مثل النموذج المألوف للدين في الديانات السماوية الثلاث. فليس في البوذية (نسبة إلى بوذا ممارسها الأول) فكرة الألوهية، بيد أن فيها ولها معابد هائلة، وقد اكتسب بوذا قداسة خاصة أدنى إلى التأليه، وهناك طبقة من الرهبان (يسميهم المسلمون قديماً براهمة الهندوس: النسّاك) نذرت نفسها لحياة انضباط أخلاقي صارم لكي تنتهي (أو تبدأ من جديد) بالنيرفانا. والبوذية عدة طرق ومذاهب، وفي بعض مذاهبها الصغرى "بوذية التبت" زعامة دينية كبرى يتولاها منذ عقود "الدالاي لاما" الذي صار في الغرب رمزاً لهوية التبت وثقافتها وتاريخها في مواجهة الصين، كما صار في نظر المأزومين وذوي الأمزجة الخاصة في أوروبا وأميركا مثالاً للفتنة والسحر ورمز الخلاص بدلاً من السيد المسيح. بثوران بوذيي التبت اكتشفنا أن البوذية ثائرة في كل مكان، فقد كان من سوء حظ هذه الديانة المسالمة والمنضبطة والمعنية باكتشاف الذات والسعادة والخلاص الفردي... أن خضعت سائر البلدان التي تنتشر فيها بكثافة (وعلى رأسها الصين) لأنظمة ديكتاتورية عزلت حتى البوذية الملحدة المؤمنة بالخلاص الذاتي، بحجة إحلال الأخلاق الثورية محل الأخلاق التقليدية للكونفوشيوسية والبوذية! هناك تمرد لنساك البوذية اليوم في بورما (ميانمار) وفي التبت وفي كمبوديا وفي لاوس. والدعوة الظاهرة لهذا التمرد الذي يقوده رجال الدين وينفردون به أحياناً؛ هي الديمقراطية وحقوق الإنسان. والواقع أن شعوب تلك البلدان قاست لأكثر من أربعة عقود مقاساة ما اختبرها بالفعل أتباع تقليد ديني آخر في الحقبة نفسها، باستثناء الشعب الفلسطيني! وقد دنا الأمر في لاوس وكمبوديا وفيتنام وكوريا الشمالية، وأثناء "المسيرة إلى الأمام" (1959) و"الثورة الثقافية" (1970-1973) في الصين... إلى حدود إبادة الملايين! ولذا فقد يكون من الطبيعي أن يحاول هؤلاء التنفس بعد أن طال عليهم الأمر وصارت الظروف ملائمة أكثر لإخراج صوتهم إلى العلن من خلال وسائل الإعلام العالمي. بيد أن السؤال هنا سؤالان في الحقيقة: سؤال الثوران الديني وطبيعة التوجهات، وسؤال العلائق مع أنواع الاضطرابات الأخرى في العالم والتي تتخذ لنفسها شعارات مكافحة الهيمنة أو العولمة أو هما معاً. وأخيراً أو السؤال الثالث: أين نقع نحن العرب ويقع ثوراننا من ذلك كله؟ في الأمر الأول: هناك ثوران ديني متفاوت الشدة بالفعل في سائر الديانات باستثناء الكاثوليكية حتى الآن. والسمة الأولى للثوران الديني في العالم هي العودة إلى الذات وخصوصياتها الضيقة. ومن الطبيعي مادام ذلك يتجاوز الفرد الى المجموعة أن تكون له اهتمامات عامة تشكل برنامجاً مشتركاً ودافعاً للتحرك الجماعي. لكنه فضلاً عن صعوبة التمييز بين الخاص والعام، فإن اليقظة الدينية تتخذ لنفسها منفذاً من خلال الداء الرئيسي أو مركز الضغط الأكبر عليها. فالبوذية كما هو معروف تعرضت لمحاولات الإبادة والإلغاء المطلق في سائر مواطنها باستثناء اليابان والهند. والأنظمة التي عرضتها لهذه المصائر ما تزال قائمة مع تعديلات أو بدونها. لذلك يكون من المألوف أن تتخذ "العودة للذات" مظهراً سياسياً أو شبه سياسي بالقول بالحرية الشخصية والعامة والدعوة لتغيير الأنظمة القامعة للدين وللحريات العامة. وما كانت للبوذية اهتمامات عامة من قبل، لكن بقاء الدين أو عودته يقتضيان الدعوة لإصلاح النظام أو لتغييره. وكان الغربيون قد بدؤوا ينسبون النجاح الاقتصادي في دول "النمور الآسيوية" إلى الانضباط الأخلاقي الذي تفرضه الأخلاقيات الكونفوشيوسية والبوذية، وقد يقولون في السنوات المقبلة حول نسبة "النجاح الديمقراطي" هناك الشيء نفسه! ولا بد من الملاحظة هنا أن الثوران في الهندوسية والإسلام، يتخذ سمات العودة إلى الذات والخصوصيات أيضاً، لكنه في المجال العام لا يضع لنفسه الديمقراطية باعتبارها أولوية ملحة. فالناخبون الهندوس المتدينون، دعموا طوال العقدين الماضيين الناس الذين يقولون بالقومية الهندية المتشددة والتقاليد الهندوسية الخالصة. لقد شعروا أن الدولة مضت بعيداً في انفتاحها وليبراليتها مع "حزب المؤتمر"، وأرادوا استرجاعها باعتبارهم الأكثرية الساحقة. بيد أن الضرورات الاقتصادية، أي توحد الفقراء وتوحد الأقليات من حول "حزب المؤتمر"، أعاده للسلطة دون ان يخمد الثوران الأصولي الهندوسي بل صار أكثر عنفاً وتجاوزاً لحكم القانون. وهكذا فالهندوسي الأصولي إشكاليته أو وعيه أن بلاده مستباحة وأنه لا بد من استعادتها، والقيم الديمقراطية للتعدد والمشاركة لا تساعد على ذلك! ولا يختلف الأمر لدى الأصوليين المسلمين، فهم يريدون تغيير الأنظمة القائمة، لكنهم لا يسعون للديمقراطية التي يشاركهم فيها غيرهم، بل لإقامة الدولة الإسلامية التي تطبق الشريعة أي الدولة الخاصة بهم. وقد كان هناك من الباحثين من تحدث عن "الاستفتاء الإسلامي" أي أنه بخلاف المشهد العالمي الساعي للمشاركة الديمقراطية، فإن المسلمين لا يعتبرون ذلك أولوية بل يريدون العودة للقديم كما يفهمونه ويعونه. والواقع أنه لا علاقة لماهية الإسلام بنصرة الديمقراطية أو عدمها، بل الأمر أمر الوعي للمشكلة وبها. والمسلمون حتى الذين تسود في بلادهم أنظمة ديمقراطية، يسعون للحكم الصالح والأخلاقي أو حكم القانون والعدالة، لأن ذلك في وعيهم هو ما يفتقدونه. وفي أميركا اللاتينية -وهي كاثوليكية في كثرتها الساحقة- ثوران أيضاً، لكن جانبه العام ليس دينياً بل هو موجه ضد الهيمنة والعولمة. والهيمنة عندهم رمزها الولايات المتحدة، وكذلك العولمة. وفي نظر المتحمسين منهم فالولايات المتحدة تعني الفقر والاستبداد، وذلك رغم الإقبال الشديد على الهجرة إليها. بيد أن الطريف في هذه الظاهرة بأميركا اللاتينية أن جانبها الخاص (جانب العودة إلى الذات) يتمثل في الإقبال على الأناجيل الجديدة والآتية بدورها من الولايات المتحدة! فهناك إحصائيات تقول إن 25% من سكان دول أميركا اللاتينية صاروا من البروتستانت، لكن ليسوا من أتباع الكنائس التقليدية الكبرى بل من الإنجيليين الجدد و"المولودين ثانية". وهؤلاء لديهم الآن مئات الكنائس التي تهتم بأشياء غريبة كثيرة ومن بينها تأمين خصوصيات ما عاد الناس يحسونها في الكنيسة الكاثوليكية ذات الهرمية السلطوية القوية. هناك إذاً مخاض عالمي كبير يشبه ما حصل بعد الحرب العالمية الثانية. بيد أن الجديد البارز فيه، أن الأديان تلعب أدواراً أكبر بكثير مما كان عليه الأمر حتى سبعينيات القرن العشرين. بعد الحرب الثانية أيضاً كانت هناك عودة الى الدين في أوروبا الكاثوليكية، والتي ظهرت فيها الأحزاب الديمقراطية المسيحية. بيد أن تلك المسيحية الأخلاقية ما كانت هي التي قادت التغيير، بل قاده الشيوعيون واليساريون والراديكاليون بشكل عام. وفي العقود الثلاثة الأخيرة، عدنا نسمع عن الملتزمين المسلمين والبروتستانت والهندوس، والآن البوذيين، وظهرت أحزاب كبرى وجماعات مسلحة كلها تنادي بهذا الفهم وذاك للدين. ورغم اختلاف الأولويات لديها، وتأكيدها على الخصوصيات، فالواقع أن ظروف العولمة هي التي تحدد سياقاتها واهتماماتها، وليس الطبيعة الخاصة لهذا الدين أو ذاك. والطريف أن هذا التأكيد الشديد على الخصوصيات، بدلاً من أن يثبتها، يوشك أن يلغيها. وذلك لأن "الصورة" المثالية في الوعي عن التجربة الذهبية الماضية، لا يمكن تحقيقها، وسيظهر شيء آخر مختلف تماماً عما تصوره الأصوليون من كل الأديان.