انعقدت القمة الأخيرة وانفضت، وحال العرب كما هو. لم يحدث شيء جديد يقنع الإنسان العربي بأن ما هو قادم أفضل من الواقع المعاش أو مما مضى. لقد اجتمع عدد من الرؤساء والحكام والمندوبين وغاب جميع الملوك عن قاعة الاجتماعات، ثم ذهب كل إلى حال سبيله بعد أن صدر البيان الختامي للقمة. ولم يسمع مواطنو الدول العربية شيئاً جديداً يطمئنهم بأن مستقبل أجيالهم القادمة على صعيد العمل الجماعي سيكون بخير، وربما أن العديد منهم سيطر عليهم شعور بالكآبة من المستقبل، لأن ما سمعوه لم يحتو على ما يطمئنهم ويجعلهم متفائلين بأن المستقبل سيكون واعداً، خاصة على صعيد توحيد كلمتهم في مواجهة الآخرين. تجارب الماضي بالنسبة لمؤتمرات القمة العربية تشير إلى أن النتائج التي تم التوصل إليها كانت دائماً مخيبة للآمال، فما الذي يمكن أن تضيفه حقاً وحقيقة قمة لم يحضرها عدد لا بأس به من الزعماء؟ محدثكم ليس متخصصاً في التاريخ، بمعنى أنني لست بمؤرخ ولا متخصص في الماضي، والواقع هو أن التخصص الذي درست فيه هو علم السياسة، خاصة في شقه المتعلق بالدراسات المستقبلية، حيث قضيت السنوات العشر الأخيرة منذ عام 1998 وأنا أقرأه بعمق. فمن خلال ذلك توصلت إلى قناعة بأن العرب جميعاً سيبقون مستهدفين، ولكن ليس بشكل جماعي كما يعتقد الكثيرون، بل إن كل دولة على حدة ستبقى مستهدفة على صعيدها الإقليمي لأسباب موضوعية خاصة بها. إن مصطلح الاستهداف هنا يبدو مربكاً ومحيراً، وقد يبدو للبعض أنه ذو معنى سلبي في المطلق، وهذا ليس صحيحاً لأنه يحمل معاني إيجابية بنفس القدر الذي يحمله من معان سلبية، ولكن النتيجة النهائية هي أن من يستهدفون الدول العربية، أياً كانوا، يريدون تحقيق مصالحهم لديها، أي ممارسة قوتهم ونفوذهم تجاهها. بمعنى أن الدول العربية جميعها دون استثناء، كبر حجمها أم صغر، تمتعت بالقوة أم فاقدة لها، غنية بمواردها أم فقيرة على صعيدها، ستبقى مجالاً لتنافس واستهداف الآخرين. إن ذلك سيستمر في الحدوث، ليس لأن العرب "بعابع" (جمع بعبع) أزمانهم، أو أنهم من طينة أخرى غير طينة الأمم الأخرى أو أنهم أضعف بنائياً من غيرهم فطمع الآخرون فيهم. ذلك يحدث لأن حظ العرب الأزلي هو أن تكون لمنطقتهم أهمية استراتيجية في هذا العالم، وتحتوي على أهم وأغلى سلعة استراتيجية في العصر الحديث، تهم دول العالم جميعها ولها مصالح استراتيجية فيها. وطالما أن الوضع كذلك ستبقى كل دولة عربية قلقة وتبحث عن أمنها الوطني بطريقتها في مواجهة الآخرين جميعاً دون استثناء، خاصة على ضوء تجربة غزو العراق للكويت. لقد غُزيت الكويت تحت شعارات من توحيد الأرض العربية والأمة والعربية والإمكانيات الاقتصادية العربية دون ما مراعاة لأية مواثيق أو عهود أو أخلاق، فكان أن انكشف زيف الشعارات التي ما فتئ العرب يرددونها منذ البوادر الأولى لانهيار الدولة العثمانية، كلاً بطريقته ووفقاً لمصالحه الضيقة. السؤال الذي يجب أن يطرح ليس متعلقاً بلماذا حدث ذلك؟ فما حدث قد حدث وأصبح جزءاً من التاريخ، ولكن السؤال سيكون أكثر مواءمة لروح العصر ومصالح الجميع لو أنه يتعلق بالمستقبل، أي ما الذي يمكن فعله لتحقيق مصالح الدول العربية بشكل متبادل، أي بمصالحها تجاه بعضها بعضاً، وبمصالحها تجاه الآخرين عن طريق تأمين مصالحهم لديها كدول ذات سيادة، ومصالحها لديهم؟ إن وقع مسيرة الحاضر، ومؤشرات مسيرة المستقبل لا تخبرنا بالشيء الكثير حول إمكانية تحقيق وحدة العرب في هذه المرحلة، فكل منهم يُغني على ليلاه، خاصة على الصعيد الأمني، وكل يسعى إلى تحقيق مصالحه الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية الخاصة بكيانه المستقل. معظم الخطب التي استمعنا إليها في القمة الأخيرة تتحدث عن أمور عامة، ولا تلامس الواقع المعاش بطريقة مباشرة صحيحة، فالكل يتحدث عن إنجازات تحققت على صعيد خدمة القضايا العربية والمصالح العربية والتضامن العربي، وهذه أمور لا يلمسها الإنسان العربي. لغة تحقيق المصالح بعيدة عما يطرح من خطب، وتحتاج إلى أساليب مبتكرة جديدة في السياسات الخارجية للدول العربية تجاه بعضها بعضاً. الخطاب العربي إذا لم يتغير ويتحول إلى لغة تحقيق المصالح البينية بين الدول على المستوى الثنائي أولاً، فإن جميع المؤتمرات الجماعية على أي مستوى، وبأية كثرة، سواء كان ذلك القمة أم غيرها لن تحقق شيئاً، وستبقى محصورة في إطار الخطب الرنانة والمثيرة ليس إلا. وكان الله في العون.