لا يمكن التطرق إلى موضوع الشرق الأوسط والمشاكل الكثيرة والمتعددة التي تؤثث فضاءه وتؤطر عالمه المتأرجح بين الاستقرار والاضطراب، دون الإشارة إلى بلدان بعينها باتت في قلب الحدث، وإن كان ليس دائماً بالمعنى الإيجابي للكلمة. هذا النزوع إلى اختزال الشرق الأوسط، أو العالم العربي في بلد واحد باعتباره مرآة تعكس مخاضاته العسيرة واضطراباته المتعددة، هو ما سعت إليه الصحفية الأميركية "ساندرا ماكي" في كتابها الأخير عن لبنان الذي نعرضه هنا وعنوانه "مرآة العالم العربي: لبنان وسط الصراع". فقد اختارت الكاتبة لبنان، البلد الصغير المطل على البحر الأبيض المتوسط، كمفتاح لفهم العالم العربي وتقديم صورة دقيقة عما يعتمل فيه من صراعات ومشاكل. ويبدو أن الكاتبة التقطت منذ البداية ذلك التناقض الذي يميز لبنان وكان محط اهتمام للعديد من الكتاب والمراقبين. هذا التناقض الذي تعكسه جغرافية لبنان المتنوعة من جهة، فضلاً عن تنوع الإنسان اللبناني من جهة أخرى وتنوع انتماءاته الطائفية والمذهبية. ولئن كان بعض ما تشير إليه الكاتبة صار معروفاً لدى العرب وسواهم من حيث التنوع اللبناني وتعايش الأذواق والأمزجة المختلفة، إلا أن "ساندار" تبرع من خلال أسلوبها الصحفي في وصف مظاهر الحياة اليومية في بيروت وتنوعها الشديد. فكما أن التضاريس متنوعة بين السهول التي يكسوها اللون الأخضر، وبين الجبال التي تكللها الثلوج، فإن المجتمع أيضاً يتنوع بين المحافظة البارزة في بعض المناطق، وبين مظاهر الحرية الشخصية في أماكن أخرى. وليس غريباً في نظر الكاتبة أن يتحول لبنان إلى قبلة السياحة الأولى في المنطقة بسبب أجواء الحرية التي تقل في العواصم القريبة منه. لكن لبنان ليس مجرد رمز للانفتاح السياسي والديمقراطي، بل هو أيضاً ساحة صراع للقوى الإقليمية والرؤى المختلفة لهوية ومستقبل البلاد. ولفهم المزيد تغوص الكاتبة في التاريخ اللبناني والصراعات التي طبعت أهم محطات مسيرته مثل الحرب الأهلية في السبعينيات والأزمة السياسية الحالية والتي ليست في الواقع، كما تقول الكاتبة، سوى أحد ظلال الحرب الأهلية. بيد أن التركيز على لبنان من قبل الصحفية الأميركية ليس سوى مقدمة، كما تقول، لفهم العالم العربي وكشف النقاب عن اختلالاته البنيوية. فرغم المسحة الليبرالية التي تلف لبنان والانفتاح الذي يلمسه البعيد قبل القريب، تعاني البلاد من هشاشة واضحة مردها الأساسي إلى التركيبة الطائفية المتنوعة والطريقة التي اختارها اللبنانيون للتعامل مع واقعهم. فالتنوع في حد ذاته محمود من حيث إثرائه لثقافة المجتمع، لكنه في الحالة اللبنانية تحول إلى نقمة بسبب تغليب الانتماء العائلي والعشائري على مفهوم الدولة والوطن المحتضن لجميع أبنائه. واللافت أن لبنان الذي يُفاجأ الزائر بسمات الحداثة البادية بوضوح على وجهه، بدءاً من الحريات الشخصية الراسخة، وليس انتهاءً بحرية الصحافة والنشر، يصطدم أيضاً بالطابع ما قبل الحداثي للسياسة اللبنانية. هذا الطابع التقليدي الذي لا تحول مظاهر التعددية السياسية والانفتاح الديمقراطي دون إخفاء هياكله الضاربة بجذورها في المجتمع لتتحول البلاد إلى كيان بوجهين، وجه يظهر به أمام العالم، ووجه آخر لم يعد خفياً اليوم في ظل المأزق السياسي الحالي الذي كشف عورة لبنان وحوله إلى ساحة لصراع الإرادات الإقليمية والدولية. وفي هذا السياق يصبح لبنان، حسب الكاتبة، مرآة تعكس الصراعات العربية ونموذجاً مصغراً للانقسامات التي تعرفها هذه المجتمعات على خطوط تماس طائفية ومذهبية تهدد وحدة وتماسك الدول. فباستثناء مصر والتي تعتبر دولة قومية راسخة منذ عهود غابرة، تبقى الدول الأخرى تشكيلات فرضها الاستعمار، ولم يراعِ في رسم حدودها الاختلافات العرقية والطائفية المتزاحمة على أرضها. وتحولت لبنان بصراعاتها الداخلية إلى صورة مستقبلية لما يمكن أن تؤول إليه الأوضاع في بلدان عربية أخرى، ولعل المثال العراقي أوضح دليل على هشاشة التوازنات الداخلية من جهة، واحتمال نقل النموذج اللبناني إلى الخارج. وهكذا فإنه بقدر ما أصبح لبنان الشبح الذي تخشى دول المنطقة الوصول إليه بالنظر إلى التركيبة المجتمعية المتشابهة نسبياً، تحول أيضاً إلى مرآة تعكس ليس فقط التنوع الطائفي والعرقي في المنطقة، بل أيضاً ساحة صراع تتواجه فيها التطلعات المختلفة للقوى المحلية والدولية. والمفارقة كما تشير إلى ذلك المؤلفة، أن لبنان يجمع في آن بين تجربته المتفردة في مجال الديمقراطية والحرية الشخصية الغائبة في العديد من دول المنطقة، وبين دوره كمرآة تعكس ما تمور به تلك الدول من صراعات سياسية وانقسامات طائفية. لكن الكتاب لاقى ومنذ لحظة صدوره سيلاً من الانتقادات الحادة، لما انطوى عليه من سطحية في الطرح وسذاجة في التحليل. فرغم أن التاريخ اللبناني الحافل بالحروب والمواجهات الدموية يمكن اللجوء إليه أحياناً لفهم جانب من الواقع العربي وتوجهاته العامة، إلا أن هذا التاريخ بالقطع لا يمكّننا من فهم العالم العربي عامة. فمهما بلغ هذا البلد الصغير من تنوع قد يعكس أحياناً ما يجري بالقرب منه، فإنه يبقى على كل حال بلداً شديد الخصوصية ولا يمكن مقارنته مثلاً بمصر، أو حتى بدول الخليج العربية، ناهيك عن الدول الأبعد كبلدان المغرب العربي. ويرى النقاد الذين هاجموا الكتاب أنه باستثناء اللغة العربية، لا يوجد ما يجمع بين دول عربية متباعدة جغرافياً ومختلفة سياسياً واجتماعياً! زهير الكساب الكتاب: مرآة العالم العربي: لبنان وسط الصراع المؤلفة: ساندرا ماكي الناشر: شركة نورتورن للنشر تاريخ النشر: 2008