بوصول الإماراتية خلود أحمد الظاهري إلى سُدّة القضاء، وتعيينها قاضية ابتدائية في أبوظبي، تكون دولة الإمارات العربية المتحدة، الدولة الخليجية الثانية التي تفتح سلك القضاء أمام المرأة بعد البحرين التي عينت البحرينية منى جاسم الكواري عام 2006 قاضية في المحكمة المدنية الكبرى. وإذا كانت البحرينية منى الكواري هي الخليجية الأولى التي تغزو معقل القضاء الذي ظل حكراً على الرجال طوال 14 قرناً في تاريخ القضاء الخليجي، فإن الإماراتية خلود الظاهري هي الثانية... والبقية تأتي. يأتي تعيين المواطنة الإماراتية خلود في سياق خطط التنمية والتطوير التي تشهدها الساحة الإماراتية وعمليات التحديث الواسعة النطاق التي شملت كل مناحي المجتمع الإماراتي ولكن بخطوات مدروسة واثقة ومتدرجة، محكومة بضوابط شرعية واجتماعية تجنبها الانزلاقات الخطرة وسياسة حرق المراحل والقفز فوق تضاريس الواقع الاجتماعي. وقد شملت عمليات التحديث المفاصل الرئيسية للبنية المجتمعية لدولة الإمارات في كافة المجالات: سياسةً واقتصاداً وتعليماً وإدارةً وتنظيماً اجتماعياً، وكان للانفتاح الاجتماعي، وخاصة فيما يتعلق بوضعية المرأة الإماراتية، الاهتمام الأكبر من قبل القيادة السياسية وحكومة دولة الإمارات، إذ شهدت الإمارات اهتماماً متزايداً ومستحقاً بالعنصر النسائي المواطن عبر زيادة مشاركته في الحياة العامة وحقوقه السياسية ووصوله إلى المناصب القيادية وصنع القرار على مختلف المستويات التنظيمية. فقد وصلت المرأة الإماراتية إلى الوزارة وأصبحت عضواً في المجلس الوطني وصار لها حضور فاعل في كافة مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والثقافية. لقد كان سلك القضاء في دولة الإمارات مقصوراً على الرجال وتم تعديل قانون السلطة القضائية مؤخراً ليسمح بدخول المرأة في مجال العمل القضائي، وهو ما يعني حصول النساء على منصب قاضٍ ومستشار ووكيل نيابة على المستوى الاتحادي، وقد سبق تعيين خلود، تعيين الماليزية "نورما يعقوب" في مركز دبي المالي العالمي، وشكل ذلك إرهاصة أو تمهيداً لتعيين أول إماراتية قاضية في تاريخ القضاء الإماراتي، وهي حاصلة على بكالوريوس من كلية الشريعة والقانون من جامعة الإمارات عام 2000 وعملت في مجال المحاماة على امتداد 8 سنوات. وهذا الاهتمام الخاص بالمرأة وتمكينها كشريك كفء في خطط التنمية بدولة الإمارات، ليس أمراً طارئاً أو مستغرباً على طبيعة المجتمع الإماراتي إذا استحضرنا جهود المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيّب الله ثراه، تلك الجهود المتواصلة في دعم مسيرة المرأة الإماراتية على مدى 30 عاماً. لذلك وفي هذه المناسبة المبهجة وأمام هذا الحدث الذي يستحق الفخر والإشادة، علينا تذكر أن ما تم إنجازه على صعيد طموحات المرأة وتمكينها في الحياة العامة ووصولها إلى المناصب القيادية، إنما هو بعض ثمار غرس زايد "رحمه الله تعالى". والمرأة الإماراتية مدينة له بكل ما أنجزته وحققته، فشمس زايد هي التي أضاءت دنيا المرأة الإماراتية ودفعتها لتحقيق طموحاتها، هذا الحاضر الغائب نحن جميعاً مدينون له بما حققته دولة الإمارات على كافة الأصعدة وبخاصة في مجال حقوق الإنسان وتدعيم روح التسامح والمحبة، سواء بين أبناء وسكان دولة الإمارات أو بين دولة الإمارات وكافة دول العالم. الخليجيات بدأن غزو معقل القضاء الذي ظل مغلقاً على الرجال قروناً طويلة بحجج دينية واجتماعية وفسيولوجية، وهي كلها في النهاية مسوّغات تبريرية لا تصمد أمام النقاش العلمي بل هي بعض إفرازات ثقافة ذكورية متحيزة ومهيمنة على البنية الثقافية للمجتمع العربي والإسلامي، حكمت كل الآفاق المجتمعية وتحكمت في مسيرة المرأة في المجتمع بل شلّت حركتها تماماً في أن يكون لها دور أو مساهمة مجتمعية، وذلك إما بحجة "الخوف" عليها أو "الخوف" منها ومن فتنتها! أن تغزو امرأة عقر دار الرجال الحصينة، حدث جلل، بمقياس التراث الفقهي المتعلق بالمرأة والذي نظّره الإمام "الغزالي" في كتابه المشهور "إحياء علوم الدين"، والذي يُعدّ خير من بَلْوَر النظرة الفقهية للمرأة حينما قال: "فالقول الجامع في المرأة أن تكون قاعدة في قعر بيتها، لا ترى الرجال ولا يراها الرجال، فإذا اضطرت للخروج، خرجت في هيئة رثّة". لماذا؟ لأن "كيد النساء عظيم وسوء الخلق وقلة العقل من صفاتهن"، فإذا قلت إن تلك صفات بعضهن، أجابك الإمام بقوله: "المرأة الصالحة فيهن كمثل الغراب الأعصم -بياض البطن- بين مئة غراب". ثم أضاف: "وللمرأة عشر عورات، فإذا تزوجت، ستر الزوج عورة واحدة، فإذا ماتت ستر القبر، العورات الباقية". هذه النظرة الرُهابِية هي التي حكمت الأفق الثقافي والديني لكل من أتى بعد الإمام الغزالي فأصبح يكرر ويعيد أقواله ويأخذها مسلّمات من غير أية مراجعة نقدية، وتلك جناية بعض الموروث الثقافي على الأفهام والعقول والنفوس حتى اليوم، إذ لا زالت النظرة الفقهية تجاه المرأة "أسيرة" للتراث الفقهي بدليل أنه ما أن تُثار أية قضية متعلقة بالمرأة المعاصرة ودورها في المجتمع المعاصر في أي مكان في العالم العربي، حتى يقفز الفرقاء فجأة إلى مقولات الفقهاء القدامى يستفتونهم في نساء اليوم، وهم بذلك يرتكبون ظلماً مزدوجاً، يظلمون القدامى حينما يُحمّلون مقولاتهم ما لا تحتمل ويظلمون المرأة المعاصرة، ولو أنصفوا لرجعوا إلى النصوص الثوابت من الكتاب والسنة. استفتاء القدامى في وضعية المرأة المعاصرة، منهج عقيم يجب الإقلاع عنه، لأن القدماء إنما نظّروا للمرأة بحسب زمانهم وما قالوه واجتهدوا فيه محل إجلالنا وتقديرنا، لكنه لا يصلح اليوم لمجتمعاتنا، وهم -رحمهم الله- لم يدّعوا أن ما قالوه هو الحق المطلق. والسؤال اليوم: هل المرأة المعاصرة، خريجة الشريعة أو القانون والتي تعمل في المحاماة وغيرها من المهن والوظائف وتمارس دوراً تنموياً متقدماً، هي نفس المرأة التي كانت في عهد مؤسسي المذاهب الفقهية؟ هل حاجات مجتمعاتنا المعاصرة هي نفس حاجات المجتمعات السابقة؟ هل الروح العامة لعصرنا هي نفس الروح السائدة في عصر الاجتهاد الفقهي؟ أين نحن من فهم الواقع؟ ومن حاجات المجتمع التنموية؟ ومن المقاصد الشرعية؟ ومن مواثيق وإعلانات حقوق الإنسان؟ ومن الاتفاقيات التي وقعتها دولنا والتي تحرّم وتجرّم التمييز بين الجنسين في الوظائف وغيرها؟! في تصوري أن المنهج العلمي والتنموي السليم لمعالجة قضايا المرأة في مجتمعنا المعاصر يجب أن يقوم على ثلاثة محاور هي: 1) البعد الحقوقي والإنساني طبقاً للدساتير العربية نفسها ومواثيق حقوق الإنسان والاتفاقيات الدولية. وهذا البعد أكده القرآن الكريم حين جعل "الكرامة الإنسانية" هي المعيار للحقوق والواجبات، "ولقد كرّمنا بني آدم". 2) البعد التنموي وحاجات المجتمع المعاصر. وكليات القانون والشريعة تخرج سنوياً الآلاف من الخريجين والخريجات المؤهلات للعمل القضائي وليس من المنطق أو المصلحة العامة عدم الإفادة منهم ومنهن وبخاصة كعلاج للخلل السكاني الخليجي. 3) التجارب المعاصرة للمرأة عبر نصف قرن تثبت كفاءتها واقتدارها، مما يدحض كل التصورات الوهمية عن "عاطفية" المرأة في العمل... فعاطفة المرأة في بيتها فقط.