لقد ظللت على مدى 30 عاماً تقريباً أطالب الحكومة في واشنطن بحماية، والدفاع عن، حقوق مواطنيها المنحدرين من أصل عربي، عند زيارتهم لإسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة منذ 1967. وعندما كنت أفعل ذلك، لم أكن أشعر أبداً أنني أقدم طلباً غير معقول، أو طلباً يصعب تحقيقه من قبل الحكومة الأميركية، لأنه ببساطة لم يكن من نوعية الطلبات التي تتعلق بموضوعات حساسة، أو شائكة مثل تلك المتعلقة بالمستوطنات، أو مصادرة الأراضي، أو العقاب الجماعي، أو غيرها من أنواع الانتهاكات للقانون الدولي التي ترتكبها إسرائيل، والتي وإن كانت الولايات المتحدة تنتقدها أحياناً، إلا أنها كانت تمتنع عن التصرف حيالها بالحسم اللازم. إن كل ما كنتُ أطالب به هو أن تقوم حكومة بلادي بمطالبة إسرائيل بالوفاء بالتزاماتها، بموجب المعاهدة الموقعة معها عام 1961 والمعروفة بـ"معاهدة الصداقة والتجارة والملاحة" والتي توافق إسرائيل بموجبها على "السماح لمواطني الولايات المتحدة الذين يسافرون إليها بالتنقل بحرية، والإقامة في الأماكن التي يختارونها، والتمتع بحرية التعبير، وبحرية دفن موتاهم وفقاً لأعرافهم وتقاليدهم". كما تمنع المعاهدة "أي مضايقات قانونية، من أي نوع لمواطني الولايات المتحدة، وتضمن لهم الحماية والأمن الدائم، وبأقصى قدر ممكن". ومن واقع التجارب التي تعرض لها الأميركيون من أصل عربي وخصوصاً الفلسطينيين في إسرائيل، فإنه يمكننا القول إن عدد المرات التي خرقت فيها إسرائيل بنود تلك الاتفاقية، يفوق بكثير عدد المرات التي التزمت بها بتلك البنود، حيث سجلنا خلال السنوات التي اهتممنا فيها بهذه القضية، عدداً لا يحصى من الحالات التي تعرض فيها مواطنون أميركيون من أصل عربي (كان الكثيرون منهم يمتلكون جواز سفر دبلوماسياً) للاحتجاز بواسطة رجال الأمن الإسرائيليين، سواء أثناء الدخول لإسرائيل، أو الخروج منها، كما تعرضوا لمعاملة خشنة، ولاستجوابات مطولة ومهينة في حالات أخرى. وفي العديد من المرات، أُجبر الأميركيون من أصل فلسطيني -حتى من ولد منهم في الولايات المتحدة- على تسليم جوازات سفرهم الأميركية، والحصول بدلاً من ذلك على وثيقة سفر فلسطينية عند الدخول إلى إسرائيل والخروج منها. في حالات فردية، تدخلت الإدارات الأميركية السابقة لإقناع إسرائيل بالسماح للأميركيين من أصل فلسطيني بدفن بعض أقاربهم، أو مد فترة تأشيرات زياراتهم، كما قامت مسؤولة الأمن القومي الأميركي السابقة "ساندي بيرجر" ووزيرة الخارجية السابقة "مادلين أولبرايت" وفي فترة أقرب وزيرة الخارجية "كوندوليزا رايس" بإثارة هذا الموضوع مباشرة مع الحكومة الإسرائيلية، دون أن يضع ذلك حداً للمشكلة. وعلى ما يبدو أن لإسرائيل آراء خاصة فيما يتعلق بـ"المواطنة" في الولايات المتحدة، حيث تقسم المواطنين الأميركيين إلى ثلاث فئات: الأميركيون اليهود الذين يتمتعون بما يعرف بـ"مزايا حق الميلاد"، والأميركيون الآخرون من غير اليهود الذين تعمل على احترامهم وحمايتهم، وفي المرتبة الأخيرة يأتي الأميركيون من أصول عربية، الذين لا تعترف بحقوقهم كاملة كمواطنين أميركيين. وفيما بدا أنه اعتراف ضمني بهذا الوضع المخجل، أصدرت وزارة الخارجية الأميركية، دليلاً إرشادياً للمواطنين الأميركيين الذين يزورون الضفة الغربية وقطاع غزة، جاء فيه أنه من المحتمل أن يواجه المواطنون الأميركيون إجراءات استجواب إضافية وطويلة من قبل سلطات الجمارك الإسرائيلية. وأن الأشخاص الذين تقرر السلطات الإسرائيلية أنه يتوجب عليهم الحصول على هوية فلسطينية سيخضعون للقوانين واللوائح الإسرائيلية التي تنطبق على القاطنين في الضفة وقطاع غزة -حتى وإن كانوا يحملون الجنسية الأميركية. وفي استجابة لما يمكن اعتباره نوعاً من أنواع الفصل العنصري تضيف حكومة الولايات المتحدة في الدليل الإرشادي بعبارات مترددة ما يلي: "إن الولايات المتحدة تطلب من إسرائيل أن تعامل جميع رعاياها معاملة موحدة، بصرف النظر عن جنسيتهم الأصلية أو هويتهم العرقية، وفي حالة مواجهة المواطنين الأميركيين لأي مصاعب، فإن عليهم الاتصال بسفارة الولايات المتحدة في تل أبيب، أو بقنصليتها في القدس". إن السؤال الذي لابد وأن يخطر على ذهن المرء عندما يقرأ هذا الكلام هو: وماذا سيحدث إذا لم تنفذ إسرائيل ما تتوقعه منها الولايات المتحدة؟ إن هذا السؤال تحديداً هو ما ظللت أنتظر إجابة عليه على مدى الثلاثين عاماً الماضية، ولا زلت أنتظر.