في مقالة غاية في الإفادة يحلل مارك ليونارد, مدير المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية, دور النخبة والإنتلجنسيا الصينية الحالية في صوغ حاضر ومستقبل الصين (المقالة منشورة في مجلة بروسبكت البريطانية الرصينةProspect, March 2008, وهي ملخص لكتابه المنشور حديثاً بالإنجليزية بعنوان "بماذا تفكر الصين؟"). أكثر ما يشجع على قراءة المقالة المطولة هو ما يرد في مقدمتها من فضول وانبهار للكاتب ليونارد بانتشار عدد ومستوى مراكز البحث والدراسات في الصين عندما زار الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية في بكين لأول مرة عام 2003. وأن يُبهر مدير لأحد أهم خزانات التفكير الأوروبية مما هو موجود في الصين فهذا مدعاة فعلاً للتوقف مطولاً, وللتأمل في سبب ذلك الانبهار! كيف لا وما هو موجود في أوروبا من مراكز للبحث والدراسات جدير بالإبهار ويعتبر مصدراً مهماً للمعرفة والتعلم. يقول ليونارد, الذي كرس عدة سنوات من حياته بعد تلك الزيارة لاستكناه آفاق "العقل الصيني" النخبوي وكيف يفكر وبماذا, إنه توقع قبل زيارته أن يجد عدداً من المنظرين الأيديولوجيين المعتقين والمتسمرِّين في الغرف الخلفية لمقار الحزب الشيوعي الحاكم. توقع أن يجد بقايا التنظير "الماوي" هنا أو هناك, لكنه ما وجده كان مختلفاً وإلى درجة الإدهاش. في البداية صدمه رئيس الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية عندما قال له إن فروع الأكاديمية تبلغ الـ50 وتغطي مجالات البحث فيها 260 حقلاً من حقول البحث الاجتماعي، ويعمل بها ما يزيد على الأربعة آلاف باحث متفرغ. فهنا يقارن ليونارد ويقول إن مجموع الطبقة "النخبوية" العاملة في خزانات التفكير في بريطانيا لا تتعدى المئات, وفي كل أوروبا لا تتجاوز عدة ألوف, وحتى في الولايات المتحدة نفسها لا تتخطى حاجز العشرة آلاف، وهي التي تفتخر بأنها الأكثر اهتماماً بمراكز البحث والدراسات. ومقارنة ذلك بالأكاديمية الصينية التي تعتبر مجرد واحدة من خزانات التفكير في بكين أذهلته، وبالتأكيد تذهل أي شخص آخر على صلة بمعنى البحث العلمي. والحال أن خريطة الأنتلجنسيا الصينية والطبقة المفكرة هناك متنوعة, كما يُورد المقال, لكن أهم مميزين اثنين فيها هما اليسار الجديد واليمين الجديد, وكلاهما نتاج تحولات نهاية عقد السبعينيات وبداية التخلص من التركة الماوية في السياسة والاقتصاد. كلاهما أيضاً يؤمن باقتصاد السوق, لكن اليسار الجديد يصر على الإبقاء على دور فاعل للدولة في تطوير اقتصاد تنموي عينه على العدالة الاجتماعية ويضع معالجة التفاوت في الدخل في مقدمة أولوياته. اليمين الجديد في المقابل يدعو لكف يد الدولة نهائياً, وإن تدريجياً, عن التدخل في صياغة اقتصادات السوق. منذ بداية حقبة الثمانينيات كانت الغلبة أميل لصالح اليمين الجديد الذي قاد التحولات الاقتصادية العارمة في الصين وحقق نجاحاتها التنموية, لكن في السنوات الأخيرة وبالتوازي مع بروز الآثار السلبية للنمو الاقتصادي المتسارع, وغير المتساوي, وتركز الثروة في يد شريحة ضيقة, فقد اليمين بريقه وتصاعد بزوغ نجم اليسار الجديد, ونظريته في "الرأسمالية المدارة من قبل الدولة" وليس السوق. وهكذا فإن ما يظل في قلب السجال الصيني حول التحول التام إلى اقتصاد السوق ومآلات مستقبل الصين هو الجدل حول دور الدولة ومستوى إفلاتها لمفاتيح التحكم والسيطرة الاقتصادية. وجانب مهم من جوانب المسألة هنا, كما في غيرها من البلدان الاشتراكية السابقة, هو ترسخ الاعتماد الاجتماعي على الدولة وتغلغله في الثقافة العامة, بحيث يصبح انسحاب الدولة من الاقتصاد أمراً لا يخضع للحسابات الرياضية المباشرة بل له منعكسات عديدة أخرى. وفي مجتمع عريض وهائل كالمجتمع الصيني فإن مثل ذلك التغلغل وما يترتب على قرار فك ارتباط الدولة بعجلة الاقتصاد من منعكسات تكون مضاعفة وأخطر من غيرها. وكانت الاستراتيجية الذكية التي تبناها الصينيون, وكما يشرح أحد أهم الاقتصاديين الذين أشرفوا على عملية التخلص من الإرث الماوي الاقتصادي إلى الرأسمالية الصينية, خليطاً من الانتقال التدريجي المدروس والبراغماتية السياسية والاقتصادية. وكل ذلك من دون تعريض المجتمع لخضَّات اقتصادية أو اجتماعية مفتتة. ويضرب مثلاً قصة رمزية عن قرية في الريف الصيني كانت تستخدم الخيول لنقل المحاصيل الزراعية وغيرها, وكيف أن كبار السن في القرية وحكماءها رأوا أن أهل القرية المجاورة صاروا يستخدمون الحمير الوحشية المخططة لأنها أكثر قوة وفاعلية. وعندما أرادوا نسخ التجربة في قريتهم ثار الناس عليهم تمسكاً بالتقليد القديم والحفاظ على الخيول التي ترسخ استخدامها في ثقافتهم وبدا أن الاستغناء عنها سوف يؤدي إلى كوارث. فما كان من حكماء القرية إلا أن بدأوا يرسمون خطوطاً على أجساد الخيول تشبه الخطوط الطبيعية التي على الحمير الوحشية, مقنعين أهل القرية بأنه لا شيء سيختلف على خيولهم, وبأنها مجرد خطوط. ثم بدأوا يخلطون بعض الحمير الوحشية الحقيقية مع الخيول المخططة فلا يستطيع الناس التفريق بينها, لكن الإنتاجية في القرية تزيد. ومع مرور الأيام كانوا يزيدون من عدد الحمير الوحشية الحقيقية إلى أن وصلوا بعد فترة إلى التخلص من كل الخيول القديمة, وبمرور ذلك الوقت كانت أحوال القرية قد تحسنت جداً. لكن الحكماء ما كان بإمكانهم الإفصاح عن سياستهم تلك لأهاليهم إلا بعد مرور فترة طويلة من الزمن. من سنة 1984 وحتى منتصف التسعينيات وكانت سياسة "المسار-المزدوج" في الاقتصاد الصيني هي المتبعة والتي عكست قصة القرية مع الخيول والحمير الوحشية. ومثلت عملياً اعتماد سياسة اقتصاد الدولة واقتصاد السوق في آن معاً, لكن مع الانسحاب التدريجي والمبرمج للدولة وتحرير السوق شيئاً فشيئاً. لكن وبخلاف النموذج الغربي في الرأسمالية حيث تلحق الديمقراطية الليبرالية نجاحات اقتصاد السوق يطرح النموذج الصيني تحدياً كبيراً إذ يسمح للرأسمالية الليبرالية بالدخول, لكنه يحظر دخول الديمقراطية. ويلاحظ مارك ليونارد أن كثيراً من متحمسي الديمقراطية الذين سطعت أسماؤهم بعد أحداث ساحة تيان آن مين الشهيرة أصبحوا الآن أقل حماساً لتطبيق سريع للديمقراطية. وسواء في أوساط اليمين أو اليسار فإن نبرة الحديث عن الإصلاح السياسي غدت أخف بكثير من نبرة الحديث عن الإصلاح الاقتصادي. والقناعة شبه العامة في أوساط النخبة الصينية المفكرة هي أن الإصلاح السياسي السريع قد يؤدي إلى انهيار المجتمع الصيني, وأن الديمقراطية العجولة هي مثل الإصلاح الاقتصادي عن طريق "العلاج بالصدمة" وكلاهما غير مأمون النتائج في بلد ضخم مثل الصين. وكما يقتبس ليونارد عن بعض المثقفين الصينيين النافذين فإنهم يرون أن طريق الديمقراطية الصيني الطويل يجب أن يبدأ من القاعدة إلى القمة. والقاعدة المقصودة هنا ليست الشعب الصيني بمئات ملايينه بل الحزب (الشيوعي) الحاكم، الذي بطبيعة الحال لا يملك من الشيوعية إلا اسمها. فما يطرحه هؤلاء هو أن دمقرطة الحزب البالغ حجم عضويته 70 مليون فرد, أي أكبر من سكان بريطانيا, كفيلة بأن يدفع بالصين خطوات كبيرة باتجاه الإصلاح السياسي والديمقراطية.