تحديات أمام محور باريس- لندن... ومأزق دولي في أفغانستان
-----------

تقييم زيارة ساركوزي لبريطانيا، وحصيلة الجهد الدولي في أفغانستان، والتحديات التي تنتظر رئيس وزراء باكستان الجديد، ثلاثة موضوعات نضعها تحت دائرة الضوء، ضمن جولة سريعة في افتتاحيات الصحف الفرنسية.
-----------

"اليد الممدودة":

في صحيفة "لوفيغارو" كتب بيير روسلين افتتاحية بهذا العنوان خصصها لتقييم زيارة الرئيس نيكولا ساركوزي هذا الأسبوع إلى المملكة المتحدة، وقال فيها إن الرسالة التي أراد سيد الأليزيه إيصالها للبريطانيين هي أن باريس ولندن يجب أن توحدا جهودهما، لتغيير وجه العالم الراهن، وذلك لأن الشريك الأوروبي الأكبر -برلين- في حالة شلل الآن بفعل ترهل التحالف الواسع الحاكم فيها، وأيضاً لأن الولايات المتحدة متجهة إلى الانكفاء على نفسها، بشكل واضح. وقد لقي طرح ساركوزي تصفيقاً حاراً من قبل الإنجليز خاصة لأنه عرف كيف يبشر بشراكته المقترحة عليهم دون أن يمس بكلماته نزعة الحفاظ على الخصوصية الوطنية المستشرية في تقاليدهم السياسية، ورغبتهم في الإبقاء على أسبقية العلاقة المتميزة بينهم وبين أبناء "العم سام" على الضفة الأخرى من المحيط الأطلسي. ولأن فرنسا الآن على بعد 100 يوم من تسلم رئاسة الاتحاد الأوروبي، حرص ساركوزي على بناء جو من الثقة المتبادلة مع رئيس الوزراء جوردون براون، وهذا أحد أهداف الزيارة، وخاصة أن الزعيمين الجديدين الفرنسي والبريطاني في وضع سياسي غير مرتهن بشجارات الماضي المتعلقة بتجاذبات حرب العراق. على أن أهم شيء تم التطرق إليه في الزيارة هو العودة القوية لفرنسا لبنيات الحلف الأطلسي، خاصة أن باريس ولندن هما البلدان الأوروبيان الوحيدان اللذان يستطيعان إعطاء دفعة قوية لمجهودات الدفاع الأوروبية. واليد الفرنسية الممدودة في هذا المجال بالذات يتعين على براون استقبالها والتمسك بها بكل قوة. وفي افتتاحية كتبها غيوم غوبير في "لاكروا" رحب بالأجواء الاحتفالية التي اكتنفت زيارة ساركوزي إلى بريطانيا مشيراً إلى أن قوة تحالف الدولتين ظل على الدوام محركاً للعمل الجماعي الأوروبي، وإن كانت رؤيتهما لسقف طموحات الجهد الدفاعي الأوروبي مختلفة. ففرنسا التي تريد أن تكون للقارة العجوز إمكانيات ذاتية كافية للدفاع عن نفسها ينظر إليها من قبل البعض على الضفة الأخرى لبحر المانش على أنها "حليف متمرد" للولايات المتحدة. وفي افتتاحية كتبها فرانسوا بروشيه في "لوبروجريه" قال إن نظرة الفرنسيين إلى بريطانيا ظلت لأمد طويل، تتمحور حول كونها جزيرة غير مضيافة، ومنعزلة هناك بعيداً خلف الغيوم والأمطار، وتشتهر بمطبخها السيئ جداً، ولغتها العجيبة غير المفهومة. بل إنها مستعمرة فرنسية سابقة، انتهى بها الحال إلى إنكار الجميل! ولكن هذه الصورة تغيرت الآن بشكل جذري، فهنالك 250 ألف فرنسي يعملون فيما وراء المانش، وساركوزي نفسه قال للبرلمان البريطاني إن فرنسا باتت تعتبر المملكة المتحدة مثلاً أعلى لها.

نهاية الأوهام... في أفغانستان:

صحيفة "لوموند" نشرت افتتاحية قالت في مستهلها إن التجربة الأفغانية التي كان يعتقد الكثيرون في الغرب أنها ستكون نموذجاً سياسياً في إعادة بناء الأمم عادت مجدداً لتثير قلق المجتمع الدولي. فبعد أكثر من ست سنوات على إسقاط نظام "طالبان" ها هم مقاتلو الحركة يعودون للظهور في المناطق البشتونية، وها هي القوات الأطلسية تنخرط في مخاضات ومعارك بلا نهاية. هذا إضافة إلى انتعاش زراعة الأفيون، وتفشي فساد إداري ينخر مشروعات التنمية. ولكن، هل كل هذه التحديات تؤشر مجتمعة إلى نذر فشل جديد، أم أن عثرات تجربة إعادة البناء الأفغانية تراكمت بفعل نكوث المجتمع الدولي بما قطعه على نفسه من وعود؟ هذا ما يجيب عليه تقرير صدر مؤخراً عن وكالة "أكبر" التي تضم أكثر من مئة جهة غير حكومية عاملة هناك. فقد أشار التقرير إلى أن نسبة كبيرة من أموال الدعم الدولي لأفغانستان قد بُددت أو أسيء استخدامها، وعلى نحو لم يعزز معه المجتمع الدولي رصيد الثقة لدى السكان الأفغان. هذا إضافة طبعاً إلى عدم وفاء بعض الأطراف المانحة بما التزمت بتقديمه من مساعدات، فمن 27 مليار دولار وُعدت بها أفغانستان، لم يتم الوفاء سوى بـ15 ملياراً فقط. كما لم تتم الموازنة بين تكاليف الإنفاق على الهاجس العسكري والأمني والاستثمار في الجانب الاقتصادي المدني. وقد ذكر تقرير وكالة "أكبر" أن الأميركيين مثلاً ينفقون 100 مليون دولار في اليوم مخصصة لمجهودات الحرب، في حين يرزح مجموع الدعم الدولي لإعادة الإعمار عند حدود 7 ملايين في اليوم فقط. هذا إضافة إلى أن ثلث تلك المبالغ يختفي في ثقوب سوداء، في إشارة إلى الفساد وسوء التسيير. وفي سياق ذي صلة انتقد العديد من كُتاب الافتتاحيات في الصحف الفرنسية مبدأ وطريقة إعلان الرئيس ساركوزي عن إرسال تعزيزات فرنسية إلى أفغانستان. ففي افتتاحية كتبها ميشل ليبيناي في "باري نورماندي" تساءل ابتداءً: هل كان من المناسب الإعلان عن إرسال التعزيزات الفرنسية إلى أفغانستان أولاً أمام البرلمان البريطاني؟ طبعاً لا. ثم لماذا ترسل فرنسا ألف جندي إلى المستنقع الأفغاني، في مهمة قيل إن "الهزيمة ممنوعة" فيها، وقيل -للمفارقة- إن الحلول العسكرية لا تجدي وحدها نفعاً فيها؟ وهي نفس النبرة الناقدة التي نجدها في افتتاحية أخرى كتبها فيليب فوكامب بـ"لوربيبليكن لورين"، الذي اعتبر حيثية الإعلان عن إرسال الجنود الفرنسيين أمام البرلمانيين الإنجليز تصرفاً جارحاً للبرلمانيين الفرنسيين، كما أن من شأنه تغذية المخاوف من تنامي التهديدات الإرهابية المحتملة على الأراضي الفرنسية.

تحدٍّ لمشرّف:
 
تحت هذا العنوان نشرت صحيفة لوموند افتتاحية علقت فيها على تعيين يوسف رضا غيلاني رئيساً لوزراء باكستان، مستشرفة أفق العلاقات المتوقعة بينه وبين الرئيس مشرف. ولئن كان أول قرار أصدره رئيس الحكومة الجديد هو رفع حالات الإقامة الجبرية المفروضة على بعض القضاة فإن ذلك الحدث عالي الرمزية يؤشر من البداية إلى أن علاقة غيلاني مع الرئيس ستكون مليئة بالتجاذبات وطرق العمل المفترقة. وتتساءل لوموند: هل يمكن الحديث الآن عن انفتاح صفحة جديدة في باكستان؟ مجيبة بأن القرارات الأولى لغيلاني تعطي انطباعاً وأملاً يدفعان في هذا الاتجاه. ولكن هشاشة الظروف التي جاء ضمن تدافعاتها تدعو للحذر، مع ذلك. فالحكومة الجديدة قائمة على أغلبية مليئة بالتنافرات تضم أنصار بوتو، وأنصار منافسها نواز شريف، وبعض الإسلاميين المتعاطفين مع "طالبان". هذا إضافة إلى أن الظروف الاقتصادية بالغة الصعوبة خاصة بعد هروب العديد من المستثمرين بفعل التردي الأمني -حيث قتل منذ مطلع العام 300 شخص، معظمهم قضوا في تفجيرات انتحارية. ولا يكفي لإنجاح مهمة غيلاني النوايا الطيبة وحدها، ولا الرغبة في التغيير، أو في فرض الخيارات الصعبة على مشرف، بل لابد من التفاعل بذكاء مع موقف باكستان الاستراتيجي، بعدما أصبحت في نظر الأميركيين حجر الزاوية في خطابة الترويج للديمقراطية من جهة، إضافة إلى كونها بؤرة في قلب مقتضيات وضرورات المواجهة الدولية مع الإرهاب.

إعداد: حسن ولد المختار