مسلسل الأزمات السياسية المتكررة في الكويت يدل على أن مسيرة الديمقراطية التي حددها الدستور تواجه عقبات تتطلب التوقف عندها لإصلاحها حتى تستمر مسيرة الديمقراطية في مسارها الصحيح. يبقى السؤال: من المسؤول عن تقهقر وتراجع العمل الديمقراطي في الكويت، هل هو الحكومة أم مجلس الأمة أم الشعب الكويتي؟ الحقيقة المرة هي أن الجميع ساهم بقصد أو بدون قصد في إجهاض مسيرة الديمقراطية وتخريب دولة المؤسسات. الحكومة بدورها وطوال الأربعين عاماً الماضية من تجربتها مع البرلمان لم تخلق طريقة أو آلية عمل يمكن من خلالها كسب النواب المؤيدين لها وضمان وجود أغلبية برلمانية تعمل معها وتمرر ما تحتاجه الحكومة من قوانين ومشاريع تنموية. التجارب الديمقراطية في كل الدول الديمقراطية تخبرنا بأنه لا يمكن لأي حكومة تحقيق ما تريده من برامج عبر البرلمان إذا لم تكن لديها أغلبية برلمانية... وما دامت الحكومة الكويتية ليس لديها حزب ولا تجمع ومنتديات تدافع عنها وتعمل لها، فهي دائماً معرضة للانتقاد ويصعب عليها تطبيق برامجها السياسية. ما حصل إذن هو أن الحكومة حاولت شراء ولاء النواب لها عن طريق "الرشوة السياسية" وهي دفع الأموال أو كسر القوانين من أجل منح النواب وقبائلهم وأقاربهم امتيازات لا يحلمون بها مثل التوظيف السياسي للمقربين منهم أو تنفيذ معاملاتهم غير القانونية... هذا التنازل الحكومي للنواب أدى إلى تفشي ظاهرة التعيينات السياسية على حساب الكفاءة والشهادة العلمية والإدارة الجيدة، مما أدى إلى انتشار المحسوبية والواسطة وعدم الالتزام بالقانون. هذا الأسلوب غير القانوني وغير الديمقراطي أدى إلى طريق مسدود بسبب تفشي ظاهرة عدم الالتزام بالقانون. السلطة التشريعية لم يلتزم أعضاؤها بالدستور خصوصاً مبدأ فصل السلطات... فالسلطة التنفيذية كما ذكرنا في محاولتها لإرضاء النواب وكسب أصواتهم، تنازلت طوعياً عن دورها وسمحت للنواب بالتدخل في أعمال واختصاصات السلطة التنفيذية... فالنواب بدأوا يتدخلون في خصوصيات عمل الوزارات وبدأوا يواجهون الوزراء ويطالبونهم بتحقيق مطالبهم الشخصية والقبلية والطائفية والحزبية على حساب المصلحة العامة، مما خلق حالة من التذمر الشعبي ضد الحكومة والنواب بسبب التردي العام الذي يسود البلد. لقد فجّر النواب أزمة عندما استولوا، وهم المشرعون للقوانين، على أراضي الدولة وإقامة دواوين ومنشآت بدون رخصة أو حق، وعندما حاولت الحكومة إزالتها اصطدمت بحلفائها النواب، مما أدى إلى تدخل سمو الأمير وحل مجلس الأمة والدعوة لانتخابات جديدة تحاول فيها الحكومة هذه المرة فرض قوتها وهيبتها على المجتمع لاسترجاع ما فقدته من هيبة. الشعب الكويتي، بكل طوائفه وأحزابه وتنظيماته السياسية، يتحمل جزءاً من المسؤولية عن تردي الأداء الديمقراطي في البلد. نحن كشعب لدينا تصور خاطئ عن معنى الديمقراطية، إذ نتصور بأن الديمقراطية تعني الذهاب إلى صندوق الاقتراع كل أربع سنوات لنصوت لنواب يحققون مصالحنا ومطالبنا من الحكومة دون أن يكون لنا دور فعّال في العمل والإنتاج وتحمل المسؤولية تجاه ما يحدث. نحن الذين نطالب الحكومة والبرلمان، ليل نهار، بتحقيق مطالبنا دون أن نلتزم بدفع الرسوم والضرائب وكل ما هو مطلوب منا كشعب، مما أدى في النهاية إلى تضخم المشكلات وتفشي البطالة المقنعة وانتشار الفساد والمحسوبية. الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني كل منها يفكر بتحقيق مطالبه الحزبية الضيقة على حساب المصلحة العامة؛ فمثلاً أحزاب الإسلام السياسي مثل "الإخوان المسلمون" و"الحركة السلفية" و"حزب الله" الشيعي... كلها حركات غير ديمقراطية واستبدادية تحاول تغيير الدستور وفرض الدولة الدينية على البلد والمجتمع، وكل ذلك مخالف لروح الدستور والدولة المدنية. وأخيراً نرى بأن الحكومة والشعب الكويتي قادران على تخطي كل العقبات التي تعترض مسيرة الديمقراطية، عن طريق الحوار الهادئ وتبادل الآراء حول كيفية تصحيح المسار، في ظل دولة الدستور والقانون والدولة المدنية.