هذا هو عنوان المؤتمر السنوي الثالث عشر الذي سيعقده مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية في مقره بمدينة أبوظبي عاصمة دولة الإمارات العربية المتحدة، ليخوض به إحدى معاركه الفكرية والعلمية والبحثية لصياغة مستقبل أفضل للمجتمع الخليجي من جانب، ويتيح الفرصة لمعالجة أحد أهم وأخطر الموضوعات والقضايا المؤثرة في المستقبل من جانب آخر. فعلى مدى الفترة الماضية تابعت ما نشرته الصحف الإماراتية المحلية من إعلانات حول موضوع المؤتمر، تدعو فيها جميع المهتمين والمهمومين بالشأن السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأمني في الخليج إلى المشاركة في هذا المؤتمر، الذي يأتي في إطار دور المركز ومسؤوليته في خدمة المجتمع الخليجي عامة، والإماراتي خاصة، وطرح قضاياه الأساسية للنقاش العام. فبعد أن ظن كثيرون أن رياح التغيير التي هبت على منطقة الشرق الأوسط قد خبت وتراجعت آثارها وانعكاساتها الإيجابية، إذا بمركز الإمارات يستنهض القوى الفكرية والبحثية والحكومية مرة أخرى، ويؤكد أن الموضوع لا يزال ساخناً وحياً في فكر المثقفين والخبراء والأكاديميين وصناع القرار في منطقة الخليج، في محاولة لتجسير الفجوة بين النظرية والتطبيق، الطموح والواقع، البحث العلمي ومتخذي القرار. تبرز أهمية مثل هذا المؤتمر في أنه يخوض في قضايا وموضوعات ترتبط بالمجتمع الخليجي بصورة مباشرة، انطلاقاً من أهمية التغيير ودراسة علاقته بثنائيات مثل "المحافظة والليبرالية"، "الأصالة والحداثة"، والتعرف على الإشكاليات التي أثارتها الظواهر العالمية المختلفة، من سياسية واقتصادية واجتماعية وتقنية وأمنية، في منطقة الخليج. منذ فترة ونحن نشهد في وسائل الإعلام العربية والخليجية المعارك الصوتية المحتدمة بين من يطلقون على أنفسهم الليبراليين والمحافظين، وتوزيع تهمة "العلمنة" و"العلمانية"، التي باتت صنواً للكفر، على كل من ينادي بالديمقراطية وحقوق الإنسان، ولم يستطع أحد الكتاب أو المفكرين أو حتى الباحثين العرب أن يتصدى بصورة علمية ليفند التهمة ويضعها في إطارها الصحيح، آخذاً في الاعتبار خصوصية المنطقة، ومتجنباً المفاهيم الغربية وتاريخ ظهور هذا المصطلح، ويحاول أن يكون موضوعياً وحيادياً في تناوله، في زمن تراجع فيه البحث العلمي والتفكير المنطقي، حيث المأزق العربي طال كل شيء. لذا فإن هناك أملاً وبصيص ضوء في أن يتصدى المؤتمر السنوي لمركز الإمارات لبعض القضايا المثارة التي لا تجد التناول العلمي الجاد والموثوق به لإزاحة الغموض وطرح الحقائق وبناء الأفكار، بعد أن أصبحت معظم مراكزنا البحثية جزءاً مكملاً للوجاهة الاجتماعية، وتراجع دورها في دعم القرار، وفقدت علاقتها بالمواطن العربي ومشكلاته وهمومه. من المصائب العربية الحديثة، وهي كثيرة، بخلاف ظواهر التطرف والغلو والتكفير والطائفية وحمل الشعارات الزائفة، أن نسبة عالية من المثقفين مصابة بالانغلاق، ولا تؤمن بالرأي الآخر، وتشعر أن الصراع القائم بين المحافظة والتغيير "تابو" غير قابل للنقاش، ويصعب إخضاعه للتحليل والبحث العلمي والنقاش الموضوعي، والتهم جاهزة مسبقاً لمن يحاول تجاوز هذا الخط الأحمر، لذلك نرى اليوم تراجعاً حاداً في الفكر العربي والثقافة العربية مقارنة مع العقود الأولى من القرن العشرين، عندما تقدَّم دعاة الإصلاح الصفوف للمطالبة بإنهاء الاستبداد الفكري والسياسي، والحث على المشاركة الشعبية في صنع القرار العام، والعمل على تحرير المرأة والتحول الديمقراطي. إن مأزق الفكر العربي الراهن يتمثل في عدم الاتفاق على جوهر التغيير ومضمونه، وماهية أبعاد العلاقة بين الأصالة والمعاصرة، ومن ثم بات همنا الفكري منصباً على الاستيراد، شأن أي بضاعة أو سلعة لا نستطيع أن ننتجها بالأيدي العربية، فكل ظاهرة أو متغير أو تطور عالمي يدفعنا إلى البحث في الأدبيات الأجنبية والتاريخ الغربي لنستخلص الأفكار ونتعرف على الدروس المستفادة، وليتنا بعد ذلك نعمل بها، بل نحاول استقطاب من يستطيعون القيام بواجباتنا بعد أن أصبحنا أسرى الاستهلاك ورد الفعل. يمكننا اليوم أن نميز بين ثلاثة مواقف من التغيير في وطننا العربي الكبير؛ الموقف الأول يشجب ويدين ويرفض ويندد بالتغيير الذي يأتي من الغرب والإمبريالية الأميركية، ولا يرى فيه سوى انحلال وانهيار للقيم والتقاليد العربية، لكن أصحاب هذا الموقف لا يطرحون أي بديل أو حتى يحاولون التفكير في مدى حاجتنا للتغيير. أما التيار الثاني فقد رفض مُقدَّماً التغيير بزعم أنه لا يتماشى مع الظروف الراهنة للمنطقة، وسيقود إلى وصول المتطرفين إلى الحكم، إلا أن أصحاب هذا الموقف أكدوا الحاجة إلى الإصلاح وأنه ضرورة أساسية لمواجهة الأزمات والتحديات التي تحيط بالوطن العربي، وأنه الطريق الوحيد لصنع مستقبل أفضل، وطالبوا بضرورة توصيف الوضع الراهن ومشكلاته وإفرازاته وتداعياته على المديات المختلفة. أما الموقف الثالث فلم يتوقف كثيراً أمام مسؤولية التغيير ومدى أهميته، وهل هو مطلب تفرضه البيئة الخارجية أم الداخلية، وتناسى أهمية تشخيص الوضع الراهن ومعرفة القدرات الواقعية والطموحات العملية اللاطوباوية، بل انتهز الفرصة لطرح مفاهيم وأفكار وأسس ومبادئ التغيير المستوردة، والتي تفتقر إلى الحجة، وبعضها شامل وطموح والبعض الآخر محدود ركز على قضايا بعينها مثل متطلبات الحكم الجيد أو مفهوم الديمقراطية وعدم تعارضها مع الإسلام والتعددية والمشاركة الشعبية في صنع القرارات العامة، أو مكافحة الفساد بكل أشكاله وصوره، أو السياسة الاقتصادية، أو التعليم والبحث العلمي والتكنولوجيا والمناهج الدراسية والثقافة، ومجتمع المعرفة، والتنمية البشرية، وتفعيل دور المرأة. وإذا كنا ننظر إلى هذا الوضع على أنه أمر صحي ومقبول لأنه يثير النقاش ويثري الحياة الثقافية العربية، فإن الموضوع ليس بهذا القدر من البساطة في ظل الصراع الراهن بين قوى التغيير وقوى المحافظة، وصعوبة إقناع أيٍّ من القوتين بوجود علاقة تكامل بينهما، إذا استطاعا أن يجلسا سوياً لمناقشة أوجه التقارب ونقاط الخلاف. إن بلدان الرفاه الغربية وصلت إلى تطورها الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي في نحو قرنين من الزمن، تبلورت خلالهما قوى اقتصادية- اجتماعية أصبحت العمود الفقري لتنظيمات المجتمع المدني؛ بينما نجد أن دول الخليج العربي قد قفزت إلى مرحلة دولة الرفاه في عقدين اثنين بعد اكتشاف النفط بين أربعينيات وستينيات القرن الماضي، لذلك لم يتسن لمجتمعات هذه البلدان وقتٌ كافٍ لإنتاج التكوينات الاجتماعية- الاقتصادية القادرة على تأسيس تنظيمات مدنية تشارك في صنع السياسة العامة وتحاسب أجهزة الدولة، لأن معظم مواطني هذه الدول قنعوا بثمرات مجتمع الرفاه دون مشقة المساهمة في صنعه، ولم يساهموا في العمل الإنتاجي الذي تفرز جدليته فئات متنافسة ومتصارعة. لذلك فإن مؤتمر مركز الإمارات يتيح الفرصة كاملة ليتعرف المجتمع الخليجي على دوره في صنع مستقبله، دون أن يتحمل مشقة البدء من الصفر، بل يتعرف عن قرب على التحديات والمخاطر التي تواجه عملية التغيير، ليضع الاستراتيجيات والحلول التي تضمن تفاديها والتغلب عليها أو مواجهتها بأقل قدر من الخسائر. ومن المهم في هذا الشأن التمييز بين الإسلام كعقيدة سياسية للحكم والإسلام كجزء جوهري في بنية المجتمعات الخليجية، فالإسلام دين ودولة ورسالة تتضمن مبادئ تنظم عبادات الناس وأخلاقهم ومعاملاتهم، بينما الدولة نظام للحكم وآلية للمشاركة، ويجب أن يتم توظيف سماحة الدين لصالح المجتمع لإرساء أسس التعايش والتسامح بين مختلف فئاته، ويجب ألا يحول الاعتقاد الديني أو السياسي لأي شخص دون تحصيله لحقوقه الإنسانية والمدنية والسياسية كاملة. آمل أن يكون مؤتمر مركز الإمارات بداية، وليس نهاية، لإثارة موضوع التغيير ومناقشة التوجهات المحافظة، وأن يسهم الجميع من متحدثين ومشاركين وحضور في التوصل إلى معادلة تقودنا إلى مستقبل أفضل.