عندما يولد الإنسان فإن قرار ميلاده لا حول له فيه ولا قوة، فهو يأتي على الأرض بإذن الله تعالى محملاً بالعديد من الصفات الوراثية التي اكتسبها من الوالدين والأجداد، هذه السمات قد تكون جسدية كالطول والعرض ولون العين وحجم الأذن، وقد تكون نفسية كالاستعدادات الذهنية التي ورثها الإنسان عبر الأجيال. ومع العناصر الوراثية التي اكتسبها هذا المخلوق، فقد زوّده الله تعالى بالعقل وهو من أثمن الملكات التي خلق الإنسان بها، هذا العقل هو مدار التكليف كما يقول علماء الشريعة لأنه المصدر الذي يعرف به الإنسان قواعد اللعبة الحقيقية، قال تعالى: "وهديناه النجدين"، فكل إنسان لديه قرار خاص في كيانه يحدد مسار حياته؛ "إما شاكراً وإما كفوراً". ومع تقدم الإنسان في العمر وتطوره في رحلة النمو والتجارب التي يمر بها، يبدأ يسأل نفسه: هل أنا بحاجة إلى ميلاد جديد؟ والجواب في الغالب بالإيجاب، فهذا الإنسان ومع خوضه معترك الحياة يكتشف قدراته وتظهر طموحاته وملكاته، ويتبين له الدرب الذي يسلكه، إن كان يتناسب مع ما أعطاه له الله تعالى من ملكات أم لا، وأهم من ذلك السؤال الذي حير البشرية طوال الوقت: أهو سعيد أم شقي؟ فما الفائدة في سعادة ظاهرة أمام الناس، حيث يضحك صاحبنا ملء شدقيه وتظهر نواجذه، لكنه عندما يخلد إلى النوم يجد غصة في قلبه لا يعرف سببها، ويتململ في فراشه ويرحل النوم عنه سريعاً، حتى يدفع نفسه إلى سرير الراحة بتعاطي الحبوب المنومة، وربما يلجأ إلى الخمر المحرمة كي يجد لذة السعادة المؤقتة بذهاب عقله، مع أن تلك اللذة المؤقتة تقود إلى حسرة وندامة بمجرد عودة العقل إلى محله، فيدفعه مرة أخرى وثالثة ورابعة بنفس الوسيلة، ظلماً لنفسه واعتقاداً بأن هذا الذهاب والبعد عن الوعي هو مصدر السعادة، لكن مع بلوغه حد الإدمان يصل إلى مرحلة اليأس..! عندها يبدأ هذا الإنسان في اتخاذ أخطر قرار في حياته، ألا وهو أن يولد من جديد. هذا الميلاد، كسابقه، مر بمرحلة تكوّن وتمحور مبدئي، ثم فترة حضانة وصراع مع الذات قد تتجاوز أحياناً تسعة أشهر التي قضاها وهو جنين في بطن أمه، وتمتد عند البعض إلى سنوات، وهي قصيرة عند البعض ومختصرة ولا تتطلب أكثر من وقفة عاقلة مع الذات، وصراحة مع الوجدان واستخدام أمثل للعقل البشري. بعد فترة الاحتضان يأتي اليوم المشرق في حياة الإنسان، وهو لحظة ميلاده الثاني، بعد أن مر برحلة العناء والشقاء والبحث عن الذات. إنه قرار السعادة الذي استطاع هذا الإنسان أن يصنعه. وأؤكد أنه قرار داخلي لأن السعادة مسألة داخلية غير مادية، يصنعها الإنسان نفسه، فسعادة المرء بيده ولا يستطيع أحد أن يعطيها إياه، وهذا ما يفسر لنا سر فشل العديد من الناس في منحنا السعادة، فبعضهم اعتقد أن سر السعادة في المال، فضحّى بوقته وجهده في الوصول إلى الأغلى من المشتريات واقتناء ما لذَّ وطاب كي يعرف أن السعادة لا تشترى بأموال الدنيا كلها لأنها قرار داخلي، وهنا يأتي تفسير الواقع الذي نمر به يومياً والذي نرى فيه أن بعض الفقراء يعيشون أحلى لحظات العمر مع فقراء مثلهم، لكنهم يحتضنون بين جنباتهم جنة لو علم بها الأثرياء لسعوا إلى شرائها بأغلى ما يملكون. ومن هنا فلعلي أن أختم هذا المقال بملخص هام في الطريق؛ مفاده أن الميلاد الثاني قرار داخلي تشعر بعده بالسعادة الغامرة، هذه السعادة لن يعطيك إياها أحد، فاعمل على الوصول إليها، لأن التوتر والقلق لا يضران أحداً مثلك.