هل يعد علم التغير المناخي مثيراً للجدل لدرجة لا تسمح بإدراجه في الكتب المدرسية العلمية في كاليفورنيا؟ ينص مشروع قانونٍ لـ"مجلس الشيوخ" في الولاية، عرض على المجلس في يناير المنصرم، على أن يصبح تغير المناخ مادةً علمية تدرَّس في المدارس العامة بالولاية. غير أن مشروع القانون المطروح اليوم على أنظار "الجمعية"، أثار انتقادات بعض المشرعين الذين يزعمون بأن هذا العلم مثير للجدل لدرجة أنه لا يمكن إدراجه في المنهاج التعليمي، ويريدون ضمانات على أن يشمل المنهاج التعليمي آراء المتشككين أيضاً. والحال أنها اعتراضات سخيفة، ذلك أنه لم يعد ثمة اختلاف بين العلماء حول المبادئ والأسباب والتأثيرات الرئيسية لارتفاع حرارة الأرض. فأكبر المنظمات العلمية وأشهرها في العالم، مثل "الجمعية الأميركية لتقدم العلوم"، جميعها تتفق على أن احتراق الوقود الأحفوري يتسبب في انبعاث كثير من غاز ثاني أكسيد الكربون في الجو، إلى درجة تؤثر على الدورة الطبيعية لكوكب الأرض الذي أخذت حرارته في الارتفاع. ونتيجة لذلك، من المرتقب أن ترتفع مستويات البحار بسبب ذوبان الجليد، وتتعرض المناطق الساحلية المنخفضة للفيضانات، وترتفع وتيرة الجفاف والعواصف وتشتد. هذا ما يخبرنا به العلم، وتعليم التلاميذ هذه الأمور هو أمر صائب تماماً، ذلك أن تغير المناخ سيؤثر مباشرة على كيفية عيش الشباب. فهم يتعرضون لكم هائل من المعلومات عنه، وقد أخذ منذ بعض الوقت يصبح بمثابة اختيار مهني يتجه إليه بعضهم. غير أنهم يحتاجون إلى رسالة أمل؛ ذلك أن وسائل الإعلام والعلماء لا يقدمون في أحيان كثيرة سوى التنبؤات المتشائمة. وبصرف النظر عن صحة هذه التنبؤات من عدمها، فلابد من تمكين الشباب. ولعل أفضل طريقة لذلك تكمن في إتاحة الفرصة لهم كي يبحثوا تغير المناخ بأنفسهم. فهناك الكثير من المواضيع المشروعة والمذهلة التي يمكن للطلبة أن يناقشوها. ولعل من أهمها: هل ستذوب الكتل الجليدية ببطء أم أنها ستتفكك على نحو كارثي؟ فكشف هذا الأمر سيمكننا من معرفة ما إن كانت مستويات البحار سترتفع بعدة أقدام خلال المئة سنة المقبلة. ونظراً لحالة عدم اليقين هذه، فمن المؤكد أن الموضوع سيظل مثيراً للجدل، وعلاوة على ذلك، فستكون للأجوبة على هذه الأسئلة تداعيات سياسية سيتعين على الطلبة أن يتعاملوا معها ويفهموها. وهناك أسباب كثيرة لأهمية تعليم العلوم، ليس أقلها حقيقة أنها مفيدة وممتعة. فمن منا لم يذهل ببنية الخلية ونشاطها حين رآها لأول مرة بواسطة الميكروسكوب؟ ثم إن العلوم مهمة أيضاً لأنها من أفضل الطرق لتدريب الطلبة على التفكير بطريقة نقدية ومنظمة. وعلاوة على ذلك، فإن مجال العلوم هو الوحيد الذي يمكن فيه للمرء أن يقول: "اثبت لي ذلك!" بدون حرج. والعلوم الجيدة تقدم الدليل مراراً عبر اختبار البراهين والفرضيات والطرق وإعادة اختبارها. وهذه المقاربة تمنحنا لغة مشتركة لتفسير العالم. بيد أن تعلم العلوم صعب، ولذلك فإن التربية العلمية تميل إلى التركيز على الظواهر التي نعرف عنها الكثير ويمكننا أن نشرحها بسهولة أكبر، مثل قوانين الحركة. لكن المشكلة تكمن في أن منهاجاً تعليمياً مبنياً على هذه الأمثلة المجرَّبة ممل ورتيب. ذلك أن الطلبة يعلمون في هذه الحالة أن عملهم ليس سوى تكرار لشيء معروف سلفاً. ولا يرون طرقاً يمكنهم في يوم من الأيام أن يبحثوها ويساهموا بالتالي في تقدم الحقل. بالمقابل، فإن العلوم المثيرة للجدل تلهم الطلبة، ذلك أنها تطرح أسئلة كبرى، وتناقش نظريات جديدة، وتقدم أجوبة يمكن أن تكتسي طابعاً سياسياً نظراً لتداعياتها على المجتمع. والواقع أنه يوجد العديد منها في المنهاج التعليمي، ولعل أفضل مثال هو نظرية "التطور" المثيرة للجدل؛ إذ بالرغم من أن هذه النظرية ليست موضع شك، فإنها تتباين مع بعض المعتقدات الدينية. واللافت هو أن الموضوعات التي تحمل شحنة سياسية أقل، تكون في أحيان كثيرة أكثر إثارة للجدل من الناحية العلمية، ومرتبطة بحالة أكبر من عدم اليقين. ولنأخذ كمثال نظرية "الانفجار الكبير"؛ فإذا كنا نقبل به عموماً باعتباره أصل الكون، وإذا كان العلماء قد جمعوا أدلة كثيرة ومقنعة لشكل هذا الانفجار، فإنه ليست لدينا فكرة عما تسبب فيه. بل إن الموضوعات الأقل "فخامة" مثل نظرية "الصفائح التكتونية" هي أيضاً مثيرة للجدل، إذ يمكن لأي شخص ينظر إلى الكرة الأرضية أن يرى كيف أن القارات تتناسب مع بعضها بعضا، هذا علاوة على أن ثمة قياسات بواسطة الأقمار الاصطناعية تثبت أنها تتحرك. لكننا رغم ذلك مازلنا لا نعرف السبب... فهل علينا أن نسحب هذا العلم من المدارس؟ إن علم تغير المناخ ليس مختلفا عن هذه الموضوعات ومجالات علمية أخرى توجد في المنهاج التعليمي مثل المادة السوداء والهندسة الوراثية. وحسب "الجمعية القومية لمعلمي العلوم"، فإن علم تغير المناخ يستوفي جميع معايير التربية الوطنية ويصلح للتعليم. وعليه، فلنعمل على إدراج تغير المناخ وعلوم مثيرة للجدل أخرى في المنهاج التعليمي. أما تخلفُنا عن ذلك، فلن يخدمَ مصلحة الطلبة والمربين! كاثلين جورسكي ــــــــــــ زميلة "مؤسسة العلوم القومية" الأميركية ــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"