بين حين وآخر، تعود القدس لتتصدر عناوين الأنباء المفجعة. فما يحصل للمدينة ومحيطها من عمليات تهويد لا يقل بوقائعه ونتائجه عما تفعله آلة العدوان الصهيونية في غزة المحاصرة. وقد اتبعت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، سياسة التطويق الاستعماري- "الاستيطاني" والسكاني والاقتصادي، في المدينة المقدسة، وذلك بالتوازي مع محاولة إبادة أو تقليص الوجود العربي بشتى الوسائل. وما تشهده القدس يؤكد خطورة وكارثية سياسة "التدمير الهادئ" للبيوت والأحياء والمواقع العربية في المدينة ومحيطها. والنداءات الأخيرة التي أطلقتها "الجبهة الإسلامية المسيحية للدفاع عن القدس والمقدسات" و"مؤسسة الأقصى لإعمار المقدسات الإسلامية"، كانت أحدث التعبيرات عن الاستياء والغليان وإمكانية تفجر مشاعر الغضب في وجه مخططات التهويد. والمتأمل للمواقف السياسية والمخططات "الاستيطانية" المتعلقة بالمدينة المقدسة، يتضح له المشروع الصهيوني دون رتوش. وهذه كلها بدأها "ثيودور هرتزل" مؤسس الحركة الصهيونية في المؤتمر الصهيوني الأول في "بال" بسويسرا عام 1897 حين قال: "إذا حصلنا يوماً على القدس وكنت لا أزال حياً وقادراً على القيام بأي شيء، فسوف أزيل كل شيء ليس مقدساً لدى اليهود فيها، وسوف أدمر الآثار التي مرت عليها القرون". وحين صعد نجم "ديفيد بن غوريون" أول رئيس للحكومة الإسرائيلية سجل ادعاءه بقوله: "لا معنى لفلسطين بدون القدس... ولا معنى للقدس بدون الهيكل"! ثم لحقه "شلومو غورين" الذي يطلقون عليه في إسرائيل "كبير أحبار اليهود" ليقول: "إن الصهيونية وأهدافها ستبقى معرضة للخطر ما دام المسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة قائمين أمام أعين المسلمين وأفئدتهم، لذا يجب إزالتهما من على سطح الأرض"! وحتى "بطل السلام" (إسحق رابين) لم يبخل علينا بتحديد مفهوم الأمن بوصفه "يمكن في السيطرة على وادي الأردن وعلى القدس موسعة وموحدة وعاصمة أبدية لدولة إسرائيل"! وهو ما أكده "أرييل شارون" الذي فجر اقتحامه للقدس انتفاضة الأقصى، وكذلك خليفته في رئاسة الوزراء "إيهود أولمرت" حين قالها واضحة وجلية: "لقد بدأت معركة القدس"! من الثابت أنه، ومنذ عام 1967، يتشكل واقع صهيوني جديد في القدس ينذر بتغيير كل شيء فيها. فالمشروع الإسرائيلي يرمي إلى محاصرة العرب الفلسطينيين -مسلمين كانوا أم مسيحيين- وتضييق الخناق عليهم تمهيداً لطردهم "بهدوء" أو، في أحسن الأحوال، حصرهم في أحياء معينة داخل القدس القديمة وبعض القدس الشرقية خارج السور، مع توسيع حدود القدس الغربية بصورة قسرية، تمييعاً للهوية المقدسية في مشروع ما يسمى بالقدس الكبرى. إذن "الحقيقة" لدى إسرائيل تتلخص بأن "القدس الموحدة ستبقى العاصمة الأبدية للدولة" الصهيونية، وهو الأمر الذي تعبر عنه الإجراءات المادية والعملية لضم القدس وتهويدها من خلال تطويقها بالأحزمة "الاستيطانية" وهدم المنازل ومصادرة الأراضي وسحب الهويات المقدسية وكافة التغييرات الجغرافية والديموغرافية التي ارتكبتها إسرائيل منذ عام 1967 وحتى الآن. هذا علاوة على ما تكشف عنه، بصورة متواترة، إجراءات سلطات الاحتلال بحفر أنفاق جديدة تحت وبجانب أساسات المسجد الأقصى، الأمر الذي يهددها بالانهيار. ذلك أن قلب المشروع اليهودي الصهيوني يتمركز في بناء الهيكل على موقع قبة الصخرة والمسجد الأقصى، أو ما يسميه الإسرائيليون "المعبد الثالث". ويجتهد علماء الآثار الإسرائيليون في "إثبات" يهودية موقع قبة الصخرة، ويجرون الحفريات أملاً في إثبات تفسيرهم، إلا أن الحفريات كشفت عن آثار أموية أو رومانية ولم يعثر هؤلاء العلماء على ما يثبت وجود تاريخ عبراني في موقع قبة الصخرة أو المسجد الأقصى. لقد أدركت إسرائيل أن مدينة القدس هي عنوان القضية الفلسطينية، وأن المسجد الأقصى يمثل رمزاً للمقدسات الإسلامية في المدينة، فعمل "متطرفوها" جاهدين على محاولة حرق وتدمير الأقصى وإقامة الهيكل على أنقاضه. وفي تقرير نشرته الصحافة الإسرائيلية مؤخراً، ورد أن هناك 25 جماعة يهودية متطرفة تسعى إلى هدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل مكانه. وإذا أضفنا إلى ذلك ما هو أخطر، أي ما تقوم به الدولة الصهيونية من أعمال تهويد متنوعة، يتضح عندئذ الهدف الحقيقي ألا وهو "أسرلة القدس" لتشمل البعد السياسي والثقافي والاجتماعي بالإضافة للبعد الديني، عبر خلق حقائق جديدة لرسم صورة إسرائيلية أحادية للمدينة ومقدساتها. وإضافة إلى ما سبق، تكشف المواقف والأحداث عن أن كافة الأحزاب الإسرائيلية (من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار مروراً بالوسط) تجمع على تهويد القدس وبسط السيادة الإسرائيلية عليها. هذا رغم بعض النداءات العقلانية النادرة، من داخل إسرائيل، والتي تؤمن بأن لا سلام دون القدس، وهو ما عبر عنه مؤخراً "جدعون ليفي" المختص في حقوق الإنسان في مقال بعنوان "لنبدأ بالقدس إذا أردنا السلام" نشرته "هآرتس" في 24 فبراير 2008، يقول فيه: "يجب أن تكون القدس المسألة الأولى التي تطرح على طاولة المفاوضات. وإن كان الجانبان غير قادرين على الوصول إلي اتفاق حول حدودها ومكاتبها، فلم كل هذه المفاوضات إذن؟ الوقت لن يشفي أي مرض هنا: ما لا يمكن الاتفاق عليه الآن سيكون من الممكن الاتفاق حوله فقط بعد جولة ملعونة ومشؤومة أخرى من العنف، وهذه مسألة يرغب الجميع في منعها كما نأمل. من يطلب تأجيل التفاوض حول القضية الأساسية والمبدئية المتمثلة بالحدود والمستوطنات، إنما يريد أن يضلل فقط. القدس هي جزء لا يتجرأ من هذا النقاش -وهي بالتحديد جزء سهل نسبياً للحل إن سار الجانبان وفقا لمشروع كلينتون الذي كان قد حدد أمراً بديهياً: "القدس الفلسطينية للفلسطينيين واليهودية لليهود. بقي فقط تحديد مصير الأحياء اليهودية الضخمة التي بنيت على الأراضي المحتلة والتي تعتبر مستوطنات بكل معنى الكلمة. ومصير هذه المستوطنات يجب أن يحسم مثل مصير مثيلاتها الأخريات، إلا إذا حصل الفلسطينيون على ثمن عادل وملائم لإبقائها". إن عملية أسرلة القدس تتسارع محمية بعملية سلام موهوم لم تفلح حتى الآن إلا في عزل المدينة المقدسة عن محيطها الفلسطيني. ومصير المدينة (بشقيها الغربي والشرقي) لا يجوز أن تقرره إسرائيل وحدها، فهي ليست مدينة فلسطينية فحسب، ولكنها ذات بعد عربي وإسلامي، واستمرار خلق حقائق جديدة سيقود حتماً إلى كارثة يصعب التكهن بنتائجها ويضع المنطقة على فوهة بركان جديد. فمجرد زيارة (شارون) تسببت باندلاع الانتفاضة الفلسطينية الكبرى الثانية التي دامت سبع سنوات. فهل يقف العرب والمسلمون وقفة جماعية حاسمة أو حتى مجرد "وقفة معقولة" لحماية المدينة من الأخطار والمخططات التي تستهدفها، وذلك من خلال وضع استراتيجية وطنية شاملة تليق بالقدس وتشمل الأبعاد الدولية، الإسلامية والعربية والأوروبية، الخاصة بزهرة المدائن؟!