تداول العرب شعار التضامن من أول لقاء على مستوى القادة أقاموه في القرن العشرين، وكان في أنشاص عام 1946، وكانت قضية تحرير فلسطين هي المحور الذي يدور حوله التضامن، حيث قرروا الوقوف أمام الصهيونية: "باعتبارها خطراً لا يداهم فلسطين فحسب، وإنما يهدد جميع البلاد العربية والإسلامية" والطريف أن قمة أنشاص (على ضعف العرب ووقوع جلهم تحت الاحتلال يومذاك) اعتبرت أن أية سياسة عدوانية موجهة ضد فلسطين تأخذ بها حكومتا أميركا وبريطانيا هي سياسة عدوانية تجاه دول الجامعة العربية كافة. ثم كان التضامن موضوع ومضمون قمة الدار البيضاء عام 1965 حيث أكد القادة التزامهم بميثاق التضامن العربي، ويومها عكست الفقرتان الخامسة والسادسة من فقرات الالتزام رغبة القادة العرب بمراعاة حدود النقاش الموضوعي حول ما يختلفون فيه. بل إن الفقرة السادسة طالبت بسن قوانين تجرم أي قول أو عمل يخرج عن حدود الموضوعية في الحوار، أو يسيء إلى العلاقات العربية البينية، أو يتعرض لتجريح مباشر أو غير مباشر لأحد من القادة العرب. وفي مؤتمر القاهرة الأول عام 1964 قرر العرب تشكيل قيادة عربية موحدة لجيوش الدول العربية، وأكدوا على كون إسرائيل خطراً أساسياً تنبغي مقاومته. وفي قمة الإسكندرية 1964 طالب القادة العرب بتصفية القواعد الاستعمارية التي تهدد أمن المنطقة العربية وسلامتها. وفي قمة الخرطوم عام 1967 أعلنوا اللاءات الثلاث (لا اعتراف، لا تفاوض، لا صلح)، وبعد حرب أكتوبر وضعت قمة الجزائر 1973 شرطين أساسيين لقبول السلام مع إسرائيل، هما انسحاب إسرائيل من جميع الأراضي العربية المحتلة، واستعادة الشعب الفلسطيني كامل حقوقه الوطنية الثابتة. وفي قمة الدار البيضاء عام 1974 أكدوا على التحرير الكامل لجميع الأراضي العربية التي احتلت عام 1967 وعلى تحرير القدس، وطالبوا بتجنب الخلافات الهامشية. وفي قمة فاس 1982 تم التوجه إلى السلام بشروطه المعلنة، وفي قمة الجزائر عام 1988 طالب القادة بعقد مؤتمر للسلام بإشراف الأمم المتحدة، وأكدته قمة 1989 في الدار البيضاء. وفي مؤتمر بغداد 1990 أيدت القمة استمرار الانتفاضة الفلسطينية ودعمها، وفي قمة القاهرة 2000 أنشئ صندوق باسم انتفاضة القدس، وآخر باسم صندوق الأقصى، ورصدت الميزانيات، وفي عام 2001 حذرت (قمة عمان) إسرائيل من تنصلها من أسس مؤتمر مدريد. وفي قمة بيروت أطلقت المبادرة العربية للسلام، ويبدو من استعراض تاريخ القمم العربية أن قضية فلسطين بقيت الموضوع الرئيس، ويبدو غريباً أن تواجه قمة دمشق من بعض المعلقين الدبلوماسيين بانتقاد استباقي لكونها تجعل مواجهة عدوانية إسرائيل موضوعاً رئيساً، ولقد حزنت حين سمعت أحد كبار الدبلوماسيين العرب يقول في مقابلة تلفزيونية: إن قضية فلسطين باتت قديمة، وقد مرَّ عليها ستون عاماً، علينا أن نركز النقاش حول قضايا حديثة! وأنا لا أنكر أهمية وضرورة نقاش القضايا المستجدة، ولاسيما قضية الوضع الراهن في لبنان، ومثل قضية العراق، وكل القضايا العربية، لكنني لا أجد فاصلاً بين جملة هذه القضايا وبين قضية فلسطين، وما أزال مقتنعاً بأن السبب الأكبر بل الوحيد لقيام الولايات المتحدة وحلفائها باحتلال العراق هو تمكين إسرائيل في المنطقة العربية، وأن الذي يحدث في لبنان متعلق أساساً بالموقف من المقاومة. وأنا اليوم متفائل جداً بقمة دمشق الراهنة وبقدرتها على الارتقاء بمسيرة التضامن العربي، ولاسيما بعد أن تابعت بيانات المندوبين في الجامعة، ومحاورات الوزراء الذين بدأوا اجتماعاتهم في دمشق، وقد اتفق الجميع على أهمية دعم نضال الشعب الفلسطيني، وتبدو مناقشة مآل المبادرة العربية للسلام ضرورة كبرى، فقد آن للعرب أن يضعوا سقفاً لهذه المبادرة وأن يأخذوا جواباً شافياً من إسرائيل ومن الولايات المتحدة، فإن لم تكن المبادرة مقبولة فعلى العرب أن يبحثوا عن بدائل لها، والبديل الموجود الذي أثبت فاعليته هو المقاومة، وأعتقد أن عودة القادة العرب عن المبادرة أو التلميح بهذه العودة سيعيد الصراع إلى المربع الأول، بل إنني على صعيد شخصي أشرت في عدد من مقالاتي في هذه الصفحة إلى ضرورة وضع حد زمني لقبول الرد على المبادرة، وكنت أشبهها بـ(الأوكازيون وما فيه من تنزيلات) حيث لابد له من تحديد موعد لانتهاء صلاحية العرض، كي يقبل المشترون. وأما بقاء المبادرة مفتوحة الزمن، فهو أمر يمنح إسرائيل فرص المناورة والاستمهال لقرن قادم. ورغم كل ما يقال عن ضعف تمثيل بعض الدول العربية في قمة دمشق فإنها حاضرة، ولها حرية اختيار مستوى تمثيلها، والمهم هو الاتفاق العربي على القرارات والمواقف التي ستتخذها القمة، ومن المؤكد أن الجميع ملتزمون بالثوابت العربية التي ينبغي تحديدها بوضوح، والارتقاء بها إلى مستوى قرارات قمة أنشاص التي رأت أن أية سياسة أميركية أو بريطانية عدوانية ضد فلسطين هي سياسة ضد العرب جميعاً. وما أظن أحداً من المواطنين العرب يرضى بما تفعل إسرائيل في غزة وبما تفعل الولايات المتحدة في العراق، وبما يحدث من تفريق عرقي وطائفي وإثني مفتعل للأمة. ولابد من التأكيد الإعلامي على مفهوم العروبة، فما يزال بعض الناس يظنون أن الفكرة القومية فكرة عرقية، رغم كل توضيحات المفكرين القوميين بأن الجامعة العربية هي جامعة ثقافة وانتماء ولغة ودين بالمفهوم الحضاري وليس بالمفاهيم الأيديولوجية العرقية العصبية. ولقد كان ضرورياً وإيجابياً أن يضاف موضوع تمكين اللغة العربية والحفاظ عليها على جدول أعمال القمة، لأن اللغة هي حافظة الهوية، وهي اليوم مهددة بضعف الحضور في بعض البلدان العربية. وكذلك إضافة موضوع الشباب العرب وموضوع الأمن العربي المشترك، وهذا ما يقودنا كذلك إلى رؤية جوانب أساسية في أعمال القمة تغطي عليها إعلامياً الاهتمامات السياسية المحضة، فثمة في القمة تطور مهم يتعلق بتنفيذ اتفاقية منطقة التجارة العربية الحرة، والاتحاد الجمركي، والربط الكهربائي، وسلسلة من المشاريع الاقتصادية المهمة التي تنعكس إيجابياتها على كل مواطن عربي. ولن أستبق الحكم على قمة الغد بالنجاح مع أنني أرى مجرد انعقادها نجاحاً، وقد سألني صديق من الدبلوماسيين العرب: علامَ حرصكم الشديد في دمشق على عقد القمة (فهل ستخرج الزير من البير)؟ وهل تعلقون عليها آمالاً كباراً، وأنتم ترون الوهن في الجسد العربي؟ وكان جوابي: لقد أصبحت القمة عنواناً لكون العرب أمة واحدة، وكان قرار عقدها دورياً انتصاراً لمفهوم التضامن العربي، وتدعيماً لبنيان بيت العرب في الجامعة وقد رغب كثير من أعداء الأمة في هدمه، وقد مارست الولايات المتحدة ضغوطاً شديدة كي لا تعقد قمة دمشق، وهي تعلم أن انفراط عقدها هذا العام، سيجعل عقدها ثانية يحتاج إلى جهد سنين. وقد تعرضت القمة إلى غياب سنين في التسعينيات ولم يكن لمّ شملها أمراً يسيراً، ولئن كان جل ما تستطيعه القمة في الظرف الراهن هو الحفاظ على الموقف العربي الموحد المعلن فهذا أمر إيجابي، وحسبنا أن العرب سيؤكدون فيها التزامهم بالتضامن العربي، وأنهم ما يزالون يرون قضية فلسطين محور هذا التضامن.