يشهد مشروع المسح الصحي الشامل في الدولة تطوّرات مهمّة خلال الفترة الحالية، حيث أعلنت وزارة الصحة مؤخراً أنها رصدت مبلغ 4 ملايين درهم لإجراء المشروع، الذي تنطلق خطواته التنفيذية مع بداية شهر أكتوبر المقبل، ويستغرق شهرين ليتم إعلان نتائجه بعد الانتهاء من إجراء المسح بثلاثة أشهر، وهي الفترة المقرّرة لتفريغ البيانات وتحليلها وفق القواعد الدولية المتّبعة في هذا النطاق. ولا شكّ في أن هذه التطوّرات تحظى بأهمية كبيرة، بالنظر إلى المكانة الخاصة التي يحظى بها المشروع، والذي يعدّ نقلة نوعية على صعيد الجهود المبذولة لتطوير الحياة الصحية في الدولة والارتقاء بجودة الخدمات الطبية المقدّمة للمرضى. وتتأسّس هذه المكانة الخاصة التي يحظى بها مشروع المسح الصحي الشامل على اعتبارات أساسية عدّة: أولها، أنه يوفر المعلومات المطلوبة لبناء وإعداد الخطط المستقبلية لتطوير القطاع الصحي بما يتناسب مع الاحتياجات الفعلية، كما تتيح هذه المعلومات رسم خريطة صحية متكاملة للأمراض المنتشرة في البلاد ومعدّلات انتشارها، بما يؤهّل لرسم استراتيجيات معالجة جديّة لهذه الأمراض. ثانيها، أنه مشروع عالمي يهدف إلى جمع وتبويب بيانات شاملة عن الصحة والرفاهية الذاتية للأسر وأفرادها من المواطنين والمقيمين، وتقوم "منظمة الصحة العالمية" بمتابعة الاستعدادات التي تقوم بها الدول لهذا الغرض، فضلاً عن المشاركة في التنفيذ. ثالثها، من شأن المشروع ضمان تدفّق البيانات الإلكترونية والمعلومات الموثوق بها التي تشتد الحاجة إليها من أجل توفير الرعاية الصحية الممتازة والحفاظ على حياة صحية سليمة لجميع أفراد المجتمع. وهذا أمر على درجة عالية من الخطورة، ذلك أن للمعلومات غير الدقيقة تأثيرات جانبية خطيرة، إذ ليس من الممكن التعامل مع الأمراض التي باتت تهدّد حياة الأفراد مثل السكري والسرطان ما لم يتم توفير معلومات معتمدة ودقيقة سواء للمهنيين أو للمرضى وللسلطات المسؤولة عن تقديم الخدمات الصحية في القطاعين العام والخاص. وفي الواقع، فإن مشروع المسح الصحي الشامل يندرج في سياق استراتيجية واضحة تنفّذها وزارة الصحة لتطوير القطاع الصحي في الدولة، وهو يأتي مكمّلاً للجهود التي تبذلها الجهات المعنية في الإمارات كافة لإحداث هذا التطوير، ومنها على سبيل المثال إصدار هيئة الصحة في أبوظبي، مؤخراً، أول دليل يتضمّن إرشادات تفصيلية حول نوعية المعلومات الصحية وكميتها في إطار استراتيجيتها الرامية إلى الاستخدام الأمثل للتقنية في مجالات الخدمات الصحية جميعها طبية كانت أو إدارية، وتمكين القطاع الصحي الخاص من الاضطلاع بدوره في تقديم أفضل الخدمات الصحية، وهذه الخطوة تتيح لجميع مقدّمي الرعاية الصحية إمكانية تقديم المطالبات الإلكترونية بالكامل اعتباراً من أول مايو المقبل. ولا شكّ في أن تنفيذ مشروع المسح الصحي يتطلّب تعاوناً كاملاً من قبل الجهات المعنية بالمشروع، وبخاصة وزارتي الصحة والاقتصاد، ذلك أن هذا المشروع يأتي في إطار التعاون والتنسيق بين وزارة الصحة والإدارة المركزية للإحصاء في وزارة الاقتصاد، والذي يشمل مختلف مراحل المسح مثل تصميم واختيار العينة والمنهجيات والآليات الخاصة بالعمل الميداني وغيرها من المراحل. وفي الأحوال جميعها، فإنه إذا كان مشروع المسح الصحي الشامل يمثّل نقلة نوعية على صعيد الجهود المبذولة لتطوير القطاع الصحي والارتقاء بالخدمات الطبية، فإن الوصول بتنظيم هذا القطاع إلى المستوى المأمول، وعلى النحو الذي يعكس القفزة النهضوية التي حقّقتها الدولة، يتطلّب بذل مزيد من الجهود على صعد أخرى، في مقدّمتها ضرورة تطوير الإطار التشريعي الناظم لهذا القطاع، بما يمكّن ذلك الإطار من استيعاب التطوّرات الهيكلية التي شهدتها الدولة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.