ثار المسلمون وهاجوا في كل الدول العربية والإسلامية على إثر نشر الصور المسيئة للرسول (صلى الله عليه وسلم) في بعض الصحف الدانماركية والغربية، مما دفع بالحكام المسلمين إلى المطالبة بتشريع دولي لعدم الإساءة للأديان والشخصيات والرموز الدينية بأي شكل من الأشكال, وهو ما لم يجد أذناً صاغية على المستوى الدولي حتى الآن, ولكن جاء الرد المخيب للآمال والرافض لهذه التوصية من مجلس الشورى السعودي الذي رفض توصية تحريم الإساءة إلى الأديان!! حيث عارض 77 عضواً من مجلس الشورى مقابل 33 صوتاً مؤيداً لهذه التوصية. وقد برر المعارضون وجهة نظرهم على أسس دينية بأن مثل هذه التوصية تستوجب الاعتراف بديانات وثنية غير معترف بها في الدين الإسلامي, ولأنه في حال التوصية بذلك فإنها ستدعو إلى إقامة المعابد المختلفة في بلاد المسلمين انطلاقاً من مبدأ عدم الإساءة للأديان! وهو رأي صحيح دينياً مئة في المئة, لكنه سيفضي بالمسلمين إلى مأزق حضاري وسياسي. مما لاشك فيه أن هذا الرفض يقوم على أسس دينية من نصوص القرآن والأحاديث النبوية وآراء الفقهاء كابن تيمية وتلميذه ابن القيم في كتابه "أحكام أهل الذمة", ولكنه في نفس الوقت يفضي بالمسلمين حكاماً ومحكومين إلى مأزق حضاري وسياسي, إذ لن تعود للمسلمين القدرة على مواجهة الادعاء الغربي المتواصل, وخاصة اليمين الأميركي المحافظ، بأن الدين الإسلامي لا يحترم الأديان الأخرى, بل ولا يعترف بها، كالهندوسية والبوذية اللتين يدين بهما ما لا يقل عن مليارين من الناس في آسيا عموماً. وبالتالي سوف يكون من الصعب على المسلمين في المحافل الدولية الدفاع عن الإسلام, فالرفض قد جاء من أعلى هيئة دينية- سياسية في بلاد مهد الإسلام وأرض الحرمين الشريفين, بل ولا مجال لتأويلها أو حتى التهرّب منها بأي صورة. ومن ثم على الدبلوماسيين المسلمين خاصة السعوديين منهم, الاستعداد لمواجهة الغربيين الذين سيتخذون من هذا الرفض مطعناً في الدين الإسلامي, وستسقط كل الحجج التي تضع اللوم على المسلمين بدلاً من الإسلام. لقد زود هذا الرفض الغربيين بالسلاح الإعلامي مجاناً. ولاشك أن الأمور لن تسير في صالح المسلمين في المحافل الدولية, خاصة في تلك الدول التي نشرت تلك الصور, ولا أريد أن أتصور حال الأقليات المسلمة بعد انتشار هذا الرفض الديني، وتهافت حججهم في مواجهة المتطرفين من الكُتّاب والمثقفين الغربيين . من جهة أخرى, يدفعنا هذا الرفض إلى التساؤل حول الحاجة اليوم في ظل نظرية صِدام الحضارات, إلى تبني منهج تفكير جديد لفقه الواقع, فالعالم اليوم لا ينقسم إلى "دار إسلام" و"دار حرب" و"دار صلح" كما قرر الفقهاء قبل عشرة قرون. عالم اليوم هو عالم عصر العولمة وتداخل الحيوات اليومية لمختلف الشعوب والثقافات, وما الأمة الإسلامية باستثناء من هذا الخضم المتلاطم. وبتعبير موجز, على المسلمين أن يستعدوا منذ الآن لحرب أعصاب إعلامية جديدة سيشنها الكثير من الغربيين هذه المرة, ليس ضد المسلمين فقط, بل والدين الإسلامي أيضاً. المشكلة الكبرى في الموضوع كله أنه لا تستطيع أي دولة تعلن في دستورها أن "دين الدولة الإسلام" أن تعارض رفض مجلس الشورى السعودي. وقديماً قيل في الأمثال "إذا كانت علّتك من بطنك... لا دواء لك"، والله المستعان.