"العلوم الإدارية": القطاع العام وإصلاح الإدارة ----------- صدر عدد جديد من "المجلة الدولية للعلوم الإدارية"، وقد تضمن طائفة من البحوث والدراسات والمعالجات القيمة، نلخص ثلاثة منها في ما يلي. ففي مستهل دراستهما حول "الإدارة العامة الجديدة وما بعدها"، يتساءل "توم كريستينسن" و"بير لاقريد": إلى أي مدى تم فهم عناصر إصلاح الإدارة العامة الجديدة وما بعدها على أنها ملائمة ومهمة بالنسبة للخدمة المدنية؟ وما هي أهم عناصر الإصلاح؟ وكيف يمكن تفسير التباين في الأهمية المدركة لوسائل الإصلاح الإداري المختلفة؟ وما مدى أهمية القيادة بالنسبة للعناصر الهيكلية الأخرى، والى سمات التركيبة السكانية والسمات الثقافية؟ ومن النتائج العامة التي توصل إليها الباحثان أن السمات الثقافية تحدث أثراً ملموساً، لكن أيضاً مع وجود أثر تعليلي لوظيفة القيادة وهيكل المهام. كما كشفا أن هناك أربع فصائل مختلفة لإجراءات الإصلاح؛ هي إصلاح إدارة الأداء، والإصلاحات الثقافية الإدارية، والإصلاحات الهيكلية، والإصلاحات المتعلقة بالسوق. وعلى ضوء ذلك يتضح أن ثمة تبايناً كبيراً في الأهمية المدركة لوسائل الإصلاح الإداري المختلفة، لكنها بالنسبة للإصلاحات الهيكلية أقل منها بالنسبة للوسائل الأخرى. وتحت عنوان "إصلاحات الإدارة العامة الجديدة في جنوب وجنوب شرق آسيا"، يبحث ثلاثة أخصائيين في الكيفية التي تؤثر بها العوامل البيئية، وتحديداً التاريخ السياسي، والأحزاب السياسية، واعتبارات الاقتصاد الكلي، وحالة المجتمع المدني... على طبيعة ونتائج مبادرات الإدارة العامة الجديدة في أربع من دول المنطقة. وتخلص الدراسة إلى أن البيئة لعبت دوراً حاسماً جعل سنغافورة وماليزيا ناجحتين نسبياً، بالمقارنة مع بنجلاديش وسريلانكا اللتين فشلتا في تحقيق الفوائد المتوقعة من إصلاحات الإدارة العامة الجديدة. كما يناقش ثلاثة باحثين مختصين، مسألة "الثقة في القطاع العام"، متسائلين: هل هناك شواهد على تدهورها في المدى البعيد؟ ليجيبوا بالقول إن ثقة المواطن في القطاع العام متذبذبة، وإن البيانات لا تكشف عن تدهور في الثقة بصورة ثابتة. كما أن نتائج استطلاعات الرأي، في دول الاتحاد الأوروبي خاصة، تتناقض إلى حد ما مع الخطاب السائد، حيث لا توجد سوى شواهد محدودة على حدوث تدن شامل وطويل المدى في الثقة بالقطاع العام ومؤسساته. ــــــــــــــــــــ The Washington Quarterly جيل بوتين... كيف يفكر؟ تناول العدد الأخير من دوريةThe Washington Quarterly التي تصدر عن "مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية"، ومقره واشنطن، طائفة من الموضوعات المهمة. فتحت عنوان "خيار بوتين"، كتب"زبيجنيو برجينسكي" مستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق، والمستشار الحالي للمركز، يقول إنه على الرغم من التزام بوتين بالدستور الروسي، وتعهده بالتخلي عن منصبه في مارس الحالي، فإنه كان حريصاً على ترشيح "ديميتري ميدفيديف"، وهو سياسي، ورجل أعمال صعد إلى سماء الشهرة في روسيا بفضل قربه منه، كخليفة له في المنصب، كي يضمن استمرار سيطرته على شؤون الحكم، وهو ما يبدو أمراً وشيك التحقق، خصوصاً بعد أن أعلن "ميدفيديف" بعد انتخابه عن أمله في قبول بوتين لمنصب رئيس الوزراء. والكاتب يرى أن ذلك يعني أن الانتخابات التي جرت في روسيا مؤخراً كانت ملهاة بمعنى الكلمة، وأن سلطة "ميدفيديف" إذا ما تولى بوتين منصب رئيس الوزراء ستكون صورية، وأن بوتين لن يصبح في هذه الحالة "الرئيس المغادر"، وإنما سيكون الرئيس الذي غير مكانه فقط في معادلة السلطة. والكاتب يرى أن قرارات بوتين على الرغم من أنها تبدو ناجحة في الأمد القصير الأمد، فإنه ستكون لها آثار سلبية طويلة الأمد على السياسة والاقتصاد وعلى المشهد الجيوبوليتيكي في روسيا. وأن العالم كي يدرك ما هو الإرث الذي سيتركه بوتين وكي يقيمه تاريخياً، عليه إجراء مقارنة بين حقائق الواقع في روسيا الآن وما كان قائماً عندما تولى الرجل المسؤولية عام 2000. وتحت عنوان"جيل بوتين والآراء المضادة لأميركا" رأت "سارة منديلسون" مديرة حقوق الإنسان والمبادرات الأمنية في "مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية، و"تيودور بي. جيربر" أستاذ الاجتماع بجامعة "ويسكونسين ماديسون" أن الخبراء من سان فرانسيسكو في الولايات المتحدة الأميركية وحتى فلاديفوستوك في روسيا، قد شغلوا أنفسهم خلال الشهور الماضية في التنبؤ بما إذا كان بوتين سيترك السلطة أم سيحتفظ بها، وإذا ما فعل ذلك فبأي صفة؟ والكاتبان يريان أن هذا التركيز الضيق على الرجل- مع الاعتراف بأهميته في التنبؤ بمستقبل روسيا- إلا أنه يتناسى طائفة من التطورات السياسية والاجتماعية الجارية في روسيا حالياً، من أبرزها أن بوتين ذاته، قد أصبح رمزاً لطائفة من السياسات، ولشبكة من المفاهيم السياسية، التي ولدت في رحم الـ"كي.جي. بي"، والتي أصبح جيل الشباب الروسي من سن السادسة عشرة وحتى سن التاسعة والعشرين، والذي يطلق عليه في الوقت الراهن "جيل بوتين" مفتوناً بها. وهذا الجيل كما يقول الكاتبان أصبح منجذبا بشدة نحو المنظومة الإيديولوجية التي أسسها بوتين، ويميل إلى الدفاع عن الطموحات والآمال التي دافع عنها الرجل، وأهمها استرداد سيادة روسيا الكاملة، وبقاؤها خارج دائرة النفوذ الأوروبي- الأطلسي، بالإضافة إلى رفض أو مقاومة لذلك كافة الأعراف القانونية الدولية. ورأى الكاتبان أنه سواء غادر بوتين الساحة أم بقي، فإن الأمر المؤكد هو أن إرثه الفكري والأيديولوجي سيظل حياً لسنوات طويلة قادمة على الأقل في أذهان هذا الجيل الذي اقترن باسمه.