في الشهر الماضي أثار أسقف كانترباري، "روان ويليامز"، ضجة كبيرة في الأوساط البريطانية، بعد التساؤل الذي طرحه في محاضرته حول ما إذا كان يتعين على القانون البريطاني السماح بمحاكم غير مسيحية للحسم في بعض الأمور المرتبطة بقانون الأسرة. ومع أن الأسقف البريطاني وزعيم الكنيسة الأنجليكانية في العالم، كان يلمح إلى اعتماد المحاكم اليهودية وليس فقط الإسلامية، فإن الانتباه انصب على الشريعة الإسلامية، وتعرض أسقف كانترباري لانتقادات لاذعة ذهبت حد المطالبة بسحب تصريحاته، أو الاستقالة من منصبه. هذا اللغط الكبير الذي أثير حول قضية الشريعة الإسلامية وإمكانية الاستعانة بالمحاكم الإسلامية للفصل في قضايا الأسرة داخل بريطانيا، يتصدى له "نوا فيلدمان"، أستاذ القانون في جامعة هارفارد والباحث البارز في مجلس العلاقات الخارجية الأميركية، في كتابه الذي نعرضه هنا والصادر بعنوان "سقوط وصعود الدولة الإسلامية". يقر الكاتب منذ البداية أن الهجوم الحاد الذي تعرض له أسقف كانترباري لم يكن سببه القانون اليهودي الأرثوذوكسي الذي طالب بتطبيقه أيضاً خلال محاضرته بلندن، بل انصب اللغط على الشريعة الإسلامية لما أثارته في نفوس البريطانيين من خوف يبين الكاتب أنه لا أساس له في الواقع وغير مبرر إطلاقاً. والحقيقة، يقول الكاتب، أن الاستنكار الذي تسببت فيه الدعوة إلى منح الشريعة وضعاً قانونياً رسمياً في بريطانيا، يرجع إلى "الفظائع" التي تتبادر إلى الذهن عندما يفكر الغربيون في الشريعة، إذ يستحضرون فوراً حدّ قطع اليد للسارق والجلد للزاني وغيرهما. لكن في المقابل يُذكر الكاتب أولئك الغربيين بأن القانون الإنجليزي الذي يعتز به البريطانيون، كان يفرض عقوبة الإعدام على مئات الجرائم، بما فيها سرقة خمسة جنيهات. كما يُذكر أولئك الذين يتأففون من الشريعة باعتبارها قانوناً رجعياً ويصفها العلمانيون بالظلامية، أنه إلى حدود القرن الثامن عشر كان التعذيب البدني إجراءً معتمداً في النظام الجنائي لأغلب الدول الأوروبية. وفيما يتعلق بتهم التمييز ضد المرأة التي تُقذف جاهزة في وجه الشريعة الإسلامية، يُذكر الكاتب البريطانيين وغيرهم أنه عندما كانت الإمبراطورية التي لا تغرب عنها الشمس تلجأ إلى تطبيق قانونها الخاص في البلدان الإسلامية، أثناء الفترة الاستعمارية، كان ينتج عن ذلك حرمان المرأة من حقوق الملكية والتصرف في مالها، أي الحقوق التي أقرتها لها الشريعة الإسلامية، والتي لم تكن تحلم بها في ظل القانون البريطاني وقتها. والأكثر من ذلك، يرى الكاتب أنه على مدار التاريخ وفّر القانون الإسلامي أحد أكثر المبادئ ليبرالية وإنسانية في العالم. واليوم عندما يستحضر الغربيون وغيرهم من منتقدي الشريعة "العقوبات القاسية" التي تنص عليها، نادراً ما يعترف هؤلاء بمعايير الإثبات العالية الواجب توفرها قبل تطبيق العقوبات. فقبل الإدانة بتهمة الزنى يتعين مثلاً الحصول على أربعة اعترافات من المتهم، أو أن يشهد أربعة رجال مشهود لهم بالأمانة أنهم رأوا المتهم متلبساً. هذا في الوقت الذي يتم فيه تجاهل بعض أوجه التطرف في القانون الجنائي الغربي الذي يفرض عقوبة السجن مدى الحياة مقابل بعض الجنح البسيطة جداً. ويبدو، كما يقول الكاتب، أن الشريعة شأنها شأن الإسلام عموماً، تحولت إلى حيز يعكس عليه الغربيون تصوراتهم الخاصة عن الآخر، كمحاولة لإبراز تفوقهم وخلق شعور بالارتياح عن صورتهم الوردية عن ذواتهم. وبعيداً عن التصورات الخاطئة للشريعة في العالم الغربي، ينتقل المؤلف إلى مكانها الطبيعي في العالم الإسلامي، مشيراً إلى النجاح الذي باتت تعرفه الدعوات المطالبة بتطبيق الشريعة في السنوات الأخيرة. ففيما تبنى المسلمون قبل قرن من الزمن نظرة "تقدمية" تعاملت مع الشريعة على أنها جزء من ماض ولى، يعبر اليوم 66% من المصريين عن مساندتهم لتطبيقها، فضلاً عن 60% من الباكستانيين، و54% من الأردنيين. وليس غريباً أن يتفاعل الرأي العام في البلدان الإسلامية بإيجابية مع البرامج الانتخابية للأحزاب والحركات التي تجعل تطبيق الشريعة في صدارة اهتماماتها. لكن الكاتب لا يتوقف عند شعبية تطبيق الشريعة في العالم الإسلامي، بل يتقدم خطوة إلى الأمام ويطرح السؤال التالي: كيف يمكن للشريعة التي يعتبرها الغرب جزءاً من عالم ما قبل الحداثة، أن تجتذب هذا العدد الكبير من المسلمين في عالم اليوم؟ إحدى المفارقات الأساسية التي يبرزها الكتاب، هي أن كلا الطرفين لا يفهمان نفس المعنى لكلمة الشريعة. فعبارة "القانون الإسلامي" التي تستخدم غالباً كترجمة إنجليزية لـ"الشريعة"، لا تلتقط المعاني التي تتداعى لدى المسلم عند الحديث على الشريعة. فالشريعة ليست مجرد قوانين كتلك التي تنص عليها الدساتير واللوائح، بل تحيل إلى قانون أسمى يستنبط الأحكام التي تنظم حياة المجتمع المسلم من القرآن والسنة، طبعاً مع الاعتراف بالاجتهاد البشري. ولا يفوت الكاتب الرجوع إلى التاريخ لتعقب تطور الشريعة ونشوئها بعد انقطاع الوحي وحاجة المجتمع لقوانين جديدة تستجيب للتطورات المستجدة، مشيراً في السياق نفسه إلى الأركان التي اعتمد عليها العلماء وتحولت إلى مصادر ثابتة للشريعة؛ وهي القرآن والسنة والقياس والإجماع. وينتهي الكاتب إلى أن الشريعة مرت بمراحل تطور مختلفة ساهمت في تبلورها طبقة العلماء التي لعبت دور المراقب لاحترام الإسلام وعدم خروج الحاكم عن روح الإسلام لتتحول إلى رديف يعادل سيادة القانون لدى الغربيين. فكما أن تطبيق القانون على الجميع بصورة عادلة أصبح جزءاً من القيم الليبرالية الغربية، فإن الشريعة أيضاً تحولت، كما يقول الكاتب، إلى مطلب أساسي الهدف منه ليس الرجوع إلى الوراء، أو اعتناق فكر ظلامي، بل إزاحة بعض الأنظمة القمعية الجاثمة على أنفاس المجتمعات الإسلامية. زهير الكساب ــــــــــــــــــ الكتاب: سقوط وصعود الدولة الإسلامية المؤلف: نوا فيلدمان الناشر: منشورات جامعة برنستون تاريخ النشر: 2008