سرني جداً قرار مجلس الوزراء الذي أعاد التأكيد على وضع اللغة العربية كلغة رسمية في جميع المؤسسات والهيئات الاتحادية، هذا القرار الذي جاء في وقت حيث تعاني اللغة العربية والهوية الوطنية من مأزق خطير أشارت إليه الدراسات والأبحاث. وتتمثل أهمية القرار في كونه جاء أولاً؛ لتفعيل النص الدستوري حول اللغة العربية كلغة رسمية للدولة. وثانياً؛ لإعادة الاعتبار السياسي للسيادة اللغوية، وثالثاً؛ لتمكين اللغة العربية من أخذ مكانها الطبيعي في المجتمع. والمطلوب الآن هو أن تتضافر كل الجهود المجتمعية لمعالجة إشكالية خلل المأزق اللغوي الذي تعمق خلال السنوات الأخيرة بفعل التحولات والتغيرات الكبيرة، وأهمها خلل التركيبة السكانية، حيث أن آثار هذا الخلل الخطير تبدو اليوم واضحة جداً في الهوية الوطنية والسيادة اللغوية. اللغة هي الوعاء المعرفي والثقافي والفكري للأمة، وهي أهم مقومات الهوية وجوهر كيانها العقائدي والتاريخي والحضاري والقومي ومستودع أفكارها وأداتها للتواصل... واللغة كائن حي، يموت إذا لم يلق الاهتمام الكافي وتتوفر له الحماية اللازمة والوسائل التي تساعد على تطويره وتقويته أمام الأخطار والتحديات التي تهدده وتواجهه. لذلك فإننا اليوم بحاجة إلى إعادة النظر في الكثير من "الآليات" التي تخص مستقبل اللغة العربية، سواء في التعليم أو الإعلام أو الثقافة أو الاقتصاد أو مجالات المجتمع المختلفة، في حاجة إلى استراتيجية واضحة المعالم، على اعتبار أن تدعيم العربية هو تدعيم للهوية الوطنية. نحن بحاجة إلى صياغة قوانين وتشريعات تعمل على حماية اللغة العربية وزيادة فاعليتها وتقوية موقعها، بجعلها الزامية في غالبية مجالات الحياة العامة، وخاصة التعليم، لأنني حقيقةً الأمر لم أجد في المقترحات الخاصة بمستقبل اللغة العربية التي قدمها وزير التربية خلال مؤتمر "اللغة العربية والتعليم، رؤية مستقبلية للتطوير"، والذي عقد في "مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية"، أي نقطة تشير إلى أن التعليم سيكون باللغة العربية في مشاريع وزارة التربية، وأهمها مدارس الغد. غالبية المقترحات كانت عادية وليست جديدة، وهي تخص مادة اللغة العربية ذاتها، ولا يوجد فيها مضمون علمي يشرح الحالة ويعالج الخلل. نحن بحاجة إلى إعادة النظر في مسألة التدريس باللغة الأجنبية في التعليم العام والخاص والجامعي، أي بحاجة إلى تعريب التعليم كله، لأنه بدون ذلك لن يحدث أي تطوير أو تنمية حقيقية في المستقبل. وهذا ما تؤكد عليه غالبية الدراسات العلمية حول اللغة الأم، وكذلك المنظمات الدولية المختصة. نحن بحاجة إلى فرض حضور اللغة العربية في كل المنابر، المحلية والعالمية، والعمل على تفعيل القوانين الخاصة بها، وترجمة ذلك عملياً على أرض الواقع، وإنشاء مراكز بحثية ترصد حالة اللغة في المجتمع، وتعمل على تقييمها وتطويرها وتحديثها، ووصف العلاجات الصحيحة، وإعداد المعاجم الخاصة بها، وتشجيع البحوث والدراسات الخاصة بها وتطويرها، ودعم مشاريع الترجمة والتأليف، والعمل على جعل اللغة العربية لغة الادارة والعلم، لأن الاعتماد على اللغة "الأم" يكون أكثر إنتاجية وأقل كلفة من التعامل بلغة أخرى، لذلك فإنه من الضروري أن تكون لنا سياسة استراتيجية واضحة لكسب السباق اللغوي داخل السوق العالمية لصالح اللغة العربية. نحن بحاجة أيضاً إلى تأسيس مراكز ومعاهد ثقافية شبيهة بالمراكز والمعاهد الخاصة بتسويق اللغات الأجنبية؛ مثل المعهد الثقافي البريطاني والمعهد الفرنسي ومركز اللغة الأميركي... وأخيراً، أقول إنه يجب أن ننتبه، ونحن نتحرك لصناعة مستقبل اللغة العربية، إلى الأشخاص والأصوات والأقلام التي تحاول الحد من سيادة اللغة العربية في مجتمعنا، بكل الوسائل والتي كان لها دور أساسي ومؤثر في المأزق اللغوي الذي تعيشه، وأن إبعادها عن سلطة القرار الذي سوف يختص بصناعة مستقبل اللغة العربية أمر ضروري ومهم للغاية، لأن من يعمل على تخريب اللغة العربية والحدّ من وجودها وسيادتها في الوطن، لا يصح أن يكون صاحب سلطة في صناعة مستقبل لغة القرآن الكريم.