انتهت أمس الأول فعاليات المؤتمر العالمي التاسع للوقاية من الإصابات وتشجيع إجراءات السلامة (9the World Conference on Injury Prevention and Safety Promotion)، الذي عقد بمدينة "مريدا" بالمكسيك، تحت رعاية منظمة الصحة العالمية. وتظهر أهمية هذا المؤتمر من العدد الهائل من الخبراء الذين حضروا من مختلف دول العالم، لتبادل المعلومات والخبرات، ووضع الخطط المستقبلية لجمع المعلومات، وتطبيق السياسات، وتوفير الخدمات الضرورية للوقاية من الحوادث والإصابات، ومساعدة الضحايا. وحظيت قضية العلاقة بين ظاهرة العولمة وبين تصاعد وتيرة العنف والإصابات حول العالم، بمكانة خاصة ضمن فعاليات المؤتمر. حيث تشير الإحصائيات إلى وفاة خمسة ملايين شخص سنوياً، وإصابة عشرات الملايين الآخرين، من جراء الحوادث اللاإرادية، مثل حوادث السير والغرق، والتسمم، والسقوط، والحروق، بالإضافة إلى حوادث العنف المتمثلة في الاعتداءات البدنية، أو الإصابات الذاتية، أو الحروب والصراعات المسلحة. هذه الأسباب مجتمعة، تؤدي إلى 9% من الوفيات التي تحدث على مستوى العالم سنوياً، وهو ما يعني أن من بين كل عشر وفيات، تكون واحدة منها بسبب حادث أو إصابة أو اعتداء. ومما يزيد من فداحة الوضع، أنه مقابل كل وفاة من تلك الوفيات، تقع أيضاً عشرات ومئات الإصابات والحوادث التي تتطلب مراجعة الأطباء، أو اللجوء إلى أقسام الطوارئ، وفي الكثير من الحالات تتطلب هذه الإصابات الحجز في المستشفيات لفترات طويلة، وغالباً ما ينتج عنها إعاقات مؤقتة أو مستديمة. ولكن كيف يمكن منع تعرض الملايين من أفراد الجنس البشري سنوياً للوفاة وللعجز بسبب الحوادث والإصابات؟ والتي لا تحمل في طياتها ثمناً إنسانيا فقط، بل تكلفة اقتصادية باهظة أيضاً. إجابة هذا السؤال ستجرنا إلى علم تحليل المخاطر وإلى مفاهيم الأمن والسلامة، وخصوصاً الجانب المتعلق بالوقاية من الحوادث والإصابات. فالمعروف أن الإصابات الناتجة عن الحوادث أو عن العنف، يمكن توثيق ودراسة أسبابها، واتخاذ الإجراءات الكفيلة بتجنب وقوعها أو خفض معدلات تكرارها. فعلى سبيل المثال، تظهر الأبحاث والدراسات الواحدة تلو الأخرى، أن اتخاذ بعض الإجراءات البسيطة، من شأنه أن يقلل بدرجة كبيرة من احتمالات وقوع الحوادث، وأن يخفف من أضرارها إلى حد كبير إذا ما وقعت. وربما كان أهم تلك الإجراءات التي يمكنها أن تنقذ الكثير من الأرواح، وأن تقي الملايين من الإصابات: 1) استخدام أحزمة الأمان في السيارات وغيرها من وسائل المواصلات، ولبس الخوذة من قبل راكبي الدراجات، والامتناع عن القيادة تحت تأثير الكحول، وهي تدابير من شأنها أن تقلل بنسبة كبيرة من حوادث الطرق والإصابات التي تنتج عنها. 2) كما أن استخدام عبوات للعقاقير الطبية أو للمركبات الكيميائية الخطيرة، يعجز عن فتحها الأطفال، من شأنه أن يمنع الكثير من حالات التسمم بين أفراد هذه الفئة العمرية. 3) إدخال تعديلات على تجهيز وترتيب المنزل داخلياً، من شأنه أن يقلل من حالات السقوط بين كبار السن والشيوخ. 4) استخدام حاجز حول حمامات السباحة العامة أو المنزلية، من شأنه أن يقلل من حوادث الغرق. 5) التدخل الطبي المبكر لغرض علاج حالات الاكتئاب الشديد، من شأنه أن يخفض من عدد حالات الانتحار السنوية. 6) استخدام وسائل الإعلام ومؤسسات التعليم، لنشر ثقافة مضادة للعنف المنزلي. 7) تطبيق نظام الزيارات المنزلية للعائلات المضطربة، لمنع العنف ضد الأطفال. إن القراءة السريعة للتوصيات السابقة، تظهر لنا مدى التنوع الواسع في أنواع وأماكن وأسباب وقوع الحوادث والإصابات، بشكل يصبح معه من المستحيل تلخيص إجراءات الوقاية في المساحة المتاحة هنا. وإن كان من الممكن استخدام منهجية في التطبيق، تعتمد على أماكن وقوع الحوادث، وتتعامل مع المُسبِّبات كلاً على حدة. ومما لاشك فيه أن حوادث الطرق تحتل مكانة خاصة على صعيد فداحة النتائج ومدى الانتشار. فحالياً، تتسبب حوادث الطرق في إصابات خطيرة لأكثر من 50 مليون شخص سنوياً، يلقى 1.2 مليون منهم حتفهم. وهو ما يقارب 3 آلاف وفاة، وأكثر من 100 ألف إصابة يومياً. وهذا العدد الضخم من الإصابات والوفيات، جعل من حوادث الطرق واحداً من الأسباب العشرة الأولى للوفيات بين أفراد الجنس البشري، ومشكلة رئيسية من مشاكل الصحة العامة، خصوصاً في الدول النامية والدول الفقيرة. وهو ما دفع بالمنظمات الدولية العاملة في مجال الصحة، وخصوصاً الأمم المتحدة ومن خلال منظمة الصحة العالمية، إلى إطلاق حملات التوعية المستمرة، بهدف وقف هذا النزيف الإنساني والاقتصادي، الذي أصبح يعرف بنزيف الإسفلت. وتحتل دولة الإمارات مكانة خاصة على صعيد حوادث الطرق، حيث سجلت وفيات الحوادث المرورية العام الماضي رقماً قياسياً، حين كسرت حاجز الألف وفاة لأول مرة منذ عشر سنوات، أو ما يعادل حالة وفاة كل ثماني ساعات، بينما كانت قبل سنتين حالة وفاة كل 12 ساعة. وأمام هذا الموقف العالمي، على صعيد حوادث الطرق وغيرها من أسباب الإصابات والوفيات، يصبح من الضروري ابتداع سياسات وخطط عمل متعددة المجالات، تحقق الوقاية من الإصابات ومن العنف، وتقلل من آثارهما على الفرد وعلى المجتمع. ويمكن تحقيق هذا الهدف، من خلال الدراسات المستفيضة المعتمدة على البحث الميداني، وعلى جمع وتحليل المعلومات والبيانات الضرورية، ودون إهمال أهمية جانب التثقيف وزيادة الوعي العام في الوقاية من الحوادث والإصابات.