الأزمة الطاحنة في العالم العربي ليست سياسية، وإن كانت السياسة السامة أحد إفرازاتها، كما يتولد السم من ناب الأفعى، بل هي أزمة ثقافية عميقة في جذور التفكير. والتجارب التالية تعطي لوناً من أمراض الثقافة العربية؛ فقد نشرت مقالة لعايض القرني الذي يمثل تيار المتدينين التقليدي، والذي ضرب بكتابه "لا تحزن" الرقم القياسي في حزن العالم العربي، فبيعت من نسخه مليونان، لعشرة ملايين مكروب محزون! ولكن "الملاعين" نشروا مقالة، لم تكن لعايض القرني، بل كانت في الأصل لتركي الحمد، ذي الاتجاه العلماني... فجاءت التعليقات بالعشرات، أن مقالة القرني ممتازة، وأنه أصاب "كبد الحقيقة"، وفاه بـ"الحكمة المجلجلة"، وأنه شخّص داء الأمة فأبدع، وكتب فأقنع! ثم نشر "الملاعين" مقالة لتركي الحمد، ولم تكن له بل كانت للشيخ القرني، فجاءت الردود تلعن وتخوف وترجف وتزبد، بأنه "الهرطيق" المارق المنشق الحارق..! وهكذا فاللعبة كانت بين مقالة قص جسدها، ووضع لها رأس مختلف، فكان من قرأ يركز على (من) كتب أكثر من (ماذا) كتب! وهذه إحدى تجليات فشل الثقافة العربية في أحد أمراضها، وقد بحث فيها مالك بن نبي كثيراً بعنوان "الشخصانية"، وهي في الثقافة الإسلامية تحت مفهوم "الوثن والصنم". وقد لخص الإمام علي كرم الله وجهه، حين سئل عن الخوارج المسألة كالتالي: ويلك لا تعرف الحق بالرجال... اعرف الحق تعرف أهله. وكان هذا ضمن الأسئلة التي وجهت له، عن تناقض تقوى الخوارج واستباحتهم دماء المسلمين، كما يفعل البعض اليوم. قالوا لعلي: ما تقول في الخوارج ؟ أكفار هم؟ قال: من الكفر فروا! سألوا: أو منافقون هم؟ قال: المنافقون لا يذكرون الله إلا قليلاً، وأولئك يذكرون الله كثيراً! علقوا: عجيب، فكيف نصفهم إذن؟ كان جواب علي عن هذا الوضع المحير: ليس من طلب الحق فأخطأه... كمن طلب الباطل فأدركه. وعلى القارئ أن يفكك المعادلة، ويعيد تطبيقها، في أوقات وأماكن وأشخاص شتى؛ بين متآمر علماني وأجدب أصولي. هذه التجربة عن وقوع العقل العربي في شباك "وثن الشخص"، طبقها أحد الكتاب حين نسب قولاً مزورا، مفاده أن عالماً يهودياً قال: علينا أن نخلع غطاء الرأس، لنغطي به عقل المسلمين! وهنا لم نعرف (من) هو هذا القائل (اليهودي)، وأين قال، وما المناسبة؟ فنحن خارج علم "الجرح والتعديل" وثقة النقل واليقين، ونسبة الأقوال لمصادرها بدقة علمية، فهذا شيء خسرناه منذ أيام أبي يوسف وصلحه مع هارون الرشيد، حين أصبح الفقه في جيب "ولي الأمر"... فهل المسألة كما فهمها ذلك القائد العربي الذي أطلق لخلع غطاء الرأس، في يوم واحد، عن رأس كل امرأة عفيفة في بلده، فهداه عقله المريض إلى أن المسألة هي في قطعة قماش، كما يفعل الثور مع هياجه عند رؤية خرقة حمراء؟ المسألة هي عند الجميع تنطلق من مبدأ "الإكراه"، وهكذا فيجب أن تخلع الفتاة حجابها في مدارس البعض، وأن تغطي نفسها كلياً في مدارس البعض الآخرين. وكلاهما ضد العقل وضد القرآن والتاريخ والإنسانية. لقد نشر الكاتب المشار إليه أعلاه، مقالة بعنوان "اهتزت الأرض وربت"، وقال إن مجموعة من العلماء البريطانيين انتبهوا لهذه الظاهرة، إذا نزل الماء على الأرض فإنها تهتز مثل أزيز الكهرباء، فقال شاب مسلم لعالم اسكتلندي إن هذه معلومة نعرفها منذ نزول القرآن. قال العالم أين هي؟ فدله على الآية من سورة "فصلت": (ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة، فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت. إن الذي أحياها لمحي الموتى وهو على كل شيء قدير)، صدق الله العظيم. قال، فخشع العالم وبكى وأعلن إسلامه. يقول من نقل لي الخبر، إن 350 تعليقا جاءت حول مقالة الكاتب المذكور تشيد بفهمه، واستدلالاته الحصيفة، وكيف يفعل الأيمان، وقوة الإسلام، في الوقت الذي يعاني المسلمون من رداءة الفهم، وسوء الحال، ومن الفقر والجوع، والحروب المذهبية، وقطع الرؤوس بالسواطير اليدوية..!