أوحت لي عناوين الأخبار في وسائل الإعلام، خلال الأيام الماضية، العديد من الأفكار لتقييم الوضع في العراق بعد خمس سنوات من الغزو الأميركي، ومع ذلك فضلت استعراض بعض الظواهر التي انتشرت في هذا البلد العربي وهي ظواهر أراها أكثر تعبيراً وإيضاحاً من أي تعليق. * الوضع الإنساني في العراق هو الأكثر خطورة في العالم، بحسب أحدث تقرير للأمم المتحدة، فهناك حوالي 8 ملايين شخص يجدون صعوبة في الحصول على المياه الصالحة للشرب، وهناك نقص في المنشآت الصحية، والأطباء المتخصصون يهربون من البلاد بطريقة منظمة، وهناك استهداف متعمد ومقصود ضد المدنيين وخاصة رجال الدين دون مراعاة لقواعد القانون الإنساني، بل إنه لا تخلو عائلة عراقية من مريض أو جريح أو معتقل أو مجبر على العيش بعيداً عن ذويه. * هناك مخاوف حقيقية من تفكيك الدولة العراقية الموحدة، في ظل الصراعات الطائفية والحزبية، وهذه ظاهرة أخرى جديدة حيث كشف الاحتلال الأميركي أن هذا البلد متنوع الأعراق والهويات وأن كل طائفة دينية أو عرقية أو مذهبية تتطلع إلى أن يكون لها كيانها السياسي حتى ولو كان على حساب الوحدة العراقية، وقد أظهر التنوع بأنه يعمل على التجزئة أكثر منه توحيد العراق، وبدا الاحتلال الأميركي الذي تسبب في تفكيك النظام السياسي عاجزاً عن إعادة إعمار العراق بالرغم من أن الحرب جاءت لبناء "عراق نموذجي" كما قيل! * لم تحلم إيران يوماً أن يكون لها نفوذ سياسي ووجود في أرض العراق كما هو حاصل الآن، كما أن طهران لم تحلم أن يصل تأثيرها السياسي أبعد من مجال الخليج العربي ليصل إلى إقليم الشرق الأوسط وتكون بمثابة الدولة الكبرى التي تناطح الولايات المتحدة وتعمل على تهديد نفوذها وتهدد حليفتها إسرائيل. ولم يأت على بال إيران أن يأتي عدوها الأول، الولايات المتحدة، ليقدم لها خدمة ويقضي على عدوها صدام حسين ويفتح لها المجال لدخول العراق! * أصبحت الأحزمة الناسفة هي السلاح المفضل بالنسبة لمنتسبي "القاعدة"، وانتشرت ثقافة العمليات الانتحارية بشكل كبير تعدى العراق وأصبحت مستخدمة حتى في الدول المجاورة، وسجلت تلك العمليات ارتفاعاً كبيراً في معدلها حيث قفز من عشر عمليات في الشهر عام 2007 إلى ما يقارب الضعف خلال العام الحالي، وهذا الأمر لم يشاهد في السابق في مكان آخر من العالم بل ما هو أخطر منه أن التوقعات تشير إلى أن الاتجاه يسير نحو تمكن تنظيم "القاعدة" من تجنيد مزيد من هؤلاء الانتحاريين باعتبارهم الأداة الفاعلة في مواجهة القوات الأميركية والعراقية، كما أن العراق أصبح ملعباً جديداً للجماعات الإرهابية، فقد أفرزت هذه الحرب حالة فوضى كما وفرت الظروف المناسبة لتجنيد متطوعين في العالم وتصدير أفكار إرهابية مثل عمليات الذبح المتلفزة والتفجيرات الانتحارية. * مقتل 4289 جنديا من القوات متعددة الجنسية، منهم ما يقارب 4000 جندي أميركي، ويصل عدد قتلى العراق الى مليون مواطن إضافة إلى 2.5 مليون نازح يعيشون بدون ماء ولا كهرباء. وبعض الأقليات العراقية الطائفية، خاصة الأكراد، استطاعوا استغلال الوضع ويحاولون الحصول على استقلال عن الدولة. ما لاحظته خلال الأيام الماضية أن هناك اهتماماً إعلامياً عالمياً بشأن الذكرى الخامسة لغزو العراق واحتلاله، ولعل السبب في ذلك أن القضية العراقية ليست -كباقي القضايا الأخرى- داخلية فقط، بل جسدت مأساة كبيرة بالنسبة للعالم وأثرت في الاستقرار والأمن الإقليميين، ما يعني أن طبيعة التأثيرات المصاحبة ستترك ندوباً كثيرة على وجه المنطقة ولعقود قادمة. ونأمل أن يتحقق للعراق خلال الفترة المقبلة استقرار أمني وسياسي وأن تختفي حالة الفوضى وتضيق دائرة العنف وأن يتم استغلال المكتسبات السياسية التي تحققت بعد الإطاحة بنظام صدام حسين. فما يحدث في العراق الآن يدمي القلوب، أقول ذلك وأنا متأكد أن الكثيرين في هذا العالم يتمنون الخير والسلام للشعب العراقي. محمد خلفان الصوافي sowafi@hotmail.com