رغم تنامي شكاوى المستهلكين من موجات الغلاء، فإن الشواهد تؤكد وجود ممارسات أخرى لا تقل سوءاً، مثل تعرّض السلع والخدمات لأشكال مختلفة من التلاعب والغش، تراوحت بين تقليص حجم العبوات، وزيادة الأسعار أو عدم ذكرها على المنتج، وتراجع نوعية بعض المنتجات أو تغييبها بشكل مفتعل من الأسواق لدفع أسعارها للارتفاع القسري، وغيرها من الممارسات غير العادلة التي تثقل كاهل المستهلكين وتضاعف معاناتهم، لاسيما أن هذه الممارسات تتزامن مع موجة ارتفاع الأسعار واتساع هامش الأرباح التي يحصدها تجار الجملة والتجزئة على حساب المستهلكين، وما يجعل هذه الممارسات أكثر ظلماً وإجحافاً هو أن أسعار المنتجات والسلع شهدت أصلاً قفزات سعرية متتالية في السابق، تتجاوز المنطق وتتعدى نسب زيادة التكلفة في عناصر ومكوّنات السلع. وبينما يطرح بعضهم ضرورة قيام الجهات المعنيّة بالتدخّل بشكل فاعل وإلزامي، والاضطلاع بدور رقابي مباشر، من خلال فرض سقوف للأسعار ومتابعة عمليات الاستيراد للمواد الأساسية والإشراف عليها، وهو ما حدث، مؤخراً، عندما حدّدت وزارة الاقتصاد سقفاً للحد الأقصى لأسعار بعض المواد الغذائية الرئيسة التي يسمح للتجار بفرضها مقابل بعض المواد، يرى بعضهم أن مثل هذه الدعوات تتصادم مع مبدأ الاقتصاد الحر، وقد تتسبب بخلق ما يعرف بـ"السوق السوداء للسلع" وتدفع المستوردين والمصنّعين إلى التلاعب بالمنتجات كمّاً ونوعاً، غير أن هذه الأطروحات تغفل حقائق واقعية أصبحت ماثلة ولا يمكن تجاهلها، إذ إن تلاعب بعض المصنّعين والبائعين حاصل بالفعل كما توضح العديد من الأمثلة، حيث تشهد الأسواق أشكالاً عديدة من الممارسات المخالفة مثل تقليص الحجم أو الوزن بشكل يخالف الوزن المذكور على السلعة، وكذلك تقليص العبوات للإيحاء بأن أسعارها لم تطرأ عليها زيادة، وإخفاء مواد غذائية أساسية مثل الدجاج والبيض والأرز وغيرها، وعدم عرضها على أرفف البيع في محلات التجزئة لإجبار المستهلكين على شرائها بأسعار مرتفعة، والضغط على الجهات المعنيّة في وزارة الاقتصاد للسماح للتجار برفع أسعارها وفق النسب التي يرغبون هم فيها وليس وفق المعدلات التي تسمح بها الوزارة وترى أنها مناسبة وعادلة لطرفي المعادلة الاستهلاكية، وهو ما استدعى، مؤخراً، اتخاذ بعض الإجراءات العاجلة للتعامل مع هذا الوضع، إذ عمدت جمعيات لاستيراد بعض هذه المواد بشكل مباشر، لتظهر حقيقة عدم زيادة أسعارها في بلدان المنشأ بالصورة التي يروّج لها ويتم ادّعاؤها من قبل التجار. وفضلاً عن أن اتباع قواعد الاقتصاد الحرّ يقتضي الإمساك عن التدخل في تسعير السلع والخدمات وفرض سقوف إلزامية، وترك هذه المهمّة لقوى السوق وآليات العرض والطلب، فإنه يتطلب كذلك محاربة الاحتكارات والتكتلات ومكافحة الإغراق، وعدم إتاحة المجال لفرض ظروف مصطنعة بغية انتزاع مكتسبات غير مشروعة، وكذلك سيادة مبدأ المنافسة التجارية بين المصنّعين والمستوردين التي تضمن أسعاراً منطقية تحتكم هي أيضاً إلى قوانين السوق دون افتعال ارتفاعات غير مبرّرة في الأسعار جرّاء نقص متعمّد في المعروض. وكما يُتاح للبائعين الترويج لسلعهم وإغراء المستهلكين بشرائها من خلال حملات إعلانية وإعلامية مكثفة تجمّل المنتج وتبرز إيجابياته وتدعو إلى شرائه، فإنه يلزم بالمقابل أن تعطى الفرصة للهيئات الممثلة للمستهلكين لتوعية المشترين وتثقيفهم حول العيوب والممارسات المضللة، وكشف التجاوزات، ونشرها على العلن، وكذلك إبراز الجهات الملتزمة بالممارسات التجارية النزيهة التي تدمج بين السعي للربح المعقول وإفادة المجتمع، بحرية ودون قيود، وذلك من خلال دعمها مادياً ومعنوياً وتقنياً، وإفراد مساحات لها في وسائل الإعلام، وتمكين المسؤولين فيها من الوصول إلى المعلومات لإعداد التقارير والدراسات والتقييمات، حتى تتعادل كفتا الميزان ويتحقق العدل والكفاءة. عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية