تحظى الرقابة الغذائية بأهمية قصوى بالنظر إلى أن غياب أو ضعف هذه الرقابة يقود إلى إشكاليات صحية وخيمة، وبالنظر إلى هذه الأهمية أصبح مفهوم "الأمن الغذائي" من المفاهيم التي حققت انتشاراً واسعاً في المرحلة الحالية، ومؤخراً تطورت المصطلحات، فشاع مفهوم "الأمن البيولوجي"، وهو مفهوم ذو صلة وثيقة بصحة الإنسان ويعطي السلامة الغذائية اهتماماً خاصاً. وفي دولة الإمارات، فإن الحاجة إلى تدعيم الرقابة على الغذاء تبدو أكثر إلحاحاً في ظل عاملين: أولهما، أن الصناعات الغذائية تعتبر من الصناعات المتنامية والمهمّة في الدولة حيث شهدت هذه الصناعات، خلال السنوات الماضية، الكثير من التطورات زادت من مقدرتها على إنتاج كميات أكبر من الغذاء الآمن الاستهلاك. ثانيهما، أن معظم الأغذية يتمّ استيرادها من أكثر من مئة بلد والسلسلة الغذائية للكثير من الأغذية تمتد إلى آلاف الأميال وقد تعاني بعض هذه الدول المصدّرة للأغذية من أمراض مصدرها الغذاء. ومن هنا تولي الدولة اهتماماً كبيراً بسلامة الغذاء. وفي سبيل تنظيم وتأطير الجهود المبذولة لتحقيق هذا الهدف الثمين، تمّ إنشاء "جهاز أبوظبي للرقابة الغذائية" (ADFCA) عام 2005. ويقوم الجهاز بالتأكّد من جودة وسلامة الأغذية المستوردة والمعروضة أو المقدّمة للاستهلاك. وفي سبيل ذلك يقوم الجهاز بمهامّ متعددة، منها التفتيش والكشف عن المواد الغذائية المستوردة أو المعروضة أو المقدّمة للاستهلاك البشري كغذاء. وفي الواقع، فإن تأسيس الجهاز كان نقلة نوعية في مجال الرقابة الغذائية في أبوظبي، ويضطلع الجهاز منذ تأسيسه، قبل أكثر من عامين، بدور مهمّ في مجال تحقيق السلامة الغذائية، وللتأكيد على أهمية هذا الدور، نشير إلى أن عدد المخالفات التي حرّرت بحق عدد من المنشآت والمؤسسات التي لها علاقة بتداول المواد الغذائية مع المستهلكين في أبوظبي من قبل لجان التفتيش التابعة لإدارة العمليات الميدانية في الجهاز بلغ أكثر من 1032 مخالفة غذائية خلال عام 2007. ولا شك في أن النجاحات التي حققها "جهاز أبوظبي للرقابة الغذائية" مبنيّة على أسس عدة منها النهج المتميّز في إدارة الجهاز والتي أدت إلى اعتماده مرجعية رئيسية للعديد من المؤسسات الداخلية والخارجية، ومنها كذلك ما شهدته الدولة من إصدار قوانين ولوائح تسهّل عملية الرقابة على الغذاء، وفضلاً عن ذلك، فإن الجهاز يعمل وفق منهجيات استمرارية التحسين، في المختبرات وأجهزة التفتيش التي تتطور بشكل دوري. وإذا كان "جهاز أبوظبي للرقابة الغذائية" يقوم بدور كبير في مجال السلامة الغذائية، فإن تواصل الكشف عن المخالفات الغذائية، والتي تؤكد يقظة هذا الجهاز، تؤكد من ناحية أخرى ضرورة بذل المزيد من الجهود لتوفير أفضل درجات الرقابة الغذائية المطلوبة، وهذا الأمر يتطلب المزيد من العمل على مستويات متعددة، منها تدعيم التنسيق القائم بين الجهاز والجهات الحكومية وغير الحكومية ذات الاختصاص، وبذل المزيد من الجهود المنظّمة على صعيد تطبيق سياسة التحري والتعقب لمصادر الغذاء، على طول مسار السلسلة الغذائية من الحقل، وحتى مائدة المستهلك، وتدعيم التعاون مع دول الجوار للسيطرة على الأغذية المورّدة إلى الدولة، وزيادة المراقبة وتحديد المخاطر في المعامل الغذائية مع التركيز على الأغذية الأكثر عرضة لخطر التلوث والتلف، فضلاً عن ضرورة تنشيط "برامج ضمان الجودة" في مختلف أنشطة "الرقابة الغذائية" مع أهمية توافقها مع برامج تدريبية مكثفة للمفتشين الغذائيين ومتداولي الأغذية، إضافة إلى ضرورة تعظيم الاستفادة الإعلامية بنشر المخالفات الصحية ميدانياً وتوعية المواطن بما يضرّه من أغذية.