نحن على أبواب قمة عربية. في كل ما نسمع حولها، رأيان: واحد يقول بأن الخلافات العربية يجب أن تحلّ قبل انعقادها. وآخر يقول بأن القمة هي المكان الطبيعي لمناقشة كل القضايا العربية وللاتفاق على حلول ورسم آليات لتنفيذها. وفي كل الحالات، وحتى لو تحقق نجاح ولو شكلي في هذا المجال، وثمة شكوك كبيرة في إمكانية الوصول إلى ذلك، فإن كل الكلام يدور على الماضي والحاضر فقط . فماذا عن المستقبل؟ ماذا عن الرؤيا؟ ماذا عن الخطة؟ ماذا عن الصدقية والالتزامات، إذا كان الهدف فعلاً يتجاوز احترام دورية القمة واستفادة الدولة المعنية منها؟ هل يعني ذلك عدم التطرق إلى الماضي والحاضر؟ بالتأكيد لا، فمن دون ذلك لا يمكن الإطلالة على المستقبل. لكن الحقيقة المؤلمة أن العرب في علاقاتهم وتحالفاتهم وخلافاتهم ومشاكلهم وحساباتهم غارقون في الماضي من جهة ولا يقدرون على السير نحو المستقبل من جهة ثانية، والمستفيد هو عدوهم إسرائيل وحليفتها أميركا، أو من يحمل مشروعاً غير عربي وينظر معظمهم إليه كما سائر العالم أنه تجاوز حدوداً كثيرة وبات يشكل عنصر قلق كبيراً، كي لا أقول خطراً كبيراً، في رأي فريق من العرب أيضاً! والحسابات العربية قلما انطلقت من رؤيا سياسية متكاملة وشاملة. هذه الدولة ترفع شعار العداء لإسرائيل وتريد استخدام كل شيء من أجل التفاوض معها. وهي تفاوضها في وقت تجتاح إسرائيل غزة، وفي وقت سابق كانت تدمر فيه لبنان. وهذه الدولة تعتبر نفسها دول ممانعة وصمود وقوة وتتقدم الصفوف كونها ضد السياسة الأميركية، وتريد بأي شكل الاتفاق مع أميركا مع هذه الإدارة وغيرها من الإدارات. وتلك الدولة تقدم نفسها أنها مع قوى الممانعة، "وتقاوم" سياسياً وإعلامياً السياستين الأميركية والإسرائيلية وعلى أرضها أكبر القواعد الأميركية في المنطقة، ولديها أفضل العلاقات مع إسرائيل وفي لحظات الشدة تقول إن هذه العلاقات هي لمصلحة العرب! وحالة ثالثة تقول إن العلاقات مع إيران هي لمصلحة العرب، وفي الوقت ذاته تصبح أسيرة القرار الإيراني من جهة، وتبدي قلقاً منه من جهة ثانية في منتديات كثيرة. وحالة رابعة تتميز بالتفاهم والسلم مع إسرائيل، وبالتحالف مع أميركا لكنها تجد نفسها مستهدفة من الدولتين! إسرائيل تريد خلق المزيد من الإرباكات وطرد الفلسطينيين وقتلهم، ودفعهم نحو ساحات هذه الحالة، وأميركا تحاصر ساحة منها ولا توفر الحماية الكاملة للساحة الأخرى لا من ناحية ردع إسرائيل، ولا من ناحية توفير ظروف الحل الملائم للمشكلة الفلسطينية، الأمر الذي يفاقم المخاطر والقلق. وحالة خامسة تتقلب بين أفريقيا انتماءً وتنمية وبين العرب انتماءً وعلاقات. وتنتقل من موقع العداء لأميركا إلى موقع التفاهم ثم التحالف، وفي كل المراحل مزايدات في كل الاتجاهات. وحالة سادسة عربية، لكنها بعيدة عن الهموم العربية منغلقة فوجئت وستفاجأ بكثير من التطورات والمشاكل في الداخل بسبب السياسات المعتمدة والتقلبات والفقر والجمود والفساد. وحالة سابعة تعيش في قلب البركان، لكن في داخلها حالات. هي في قلب البركان بعد انفجاره في العراق واحتلال هذا البلد من قبل الأميركيين وخروج العرب منه ومن دائرة التأثير فيه باستثناء التأثير السلبي للبعض أمنياً لتصفية حسابات مع أميركا، لكن ذلك ينعكس سلباً على العراقيين وعلى العرب كلهم. وإلى جانب العراق إيران وطموحاتها بالتمدد وبفرض نفسها القوة الإقليمية الأولى في تلك المنطقة، إنْ لم نقل القوة الأولى في العالم كما قال الرئيس أحمدي نجاد مؤخراً مع ما يعني ذلك من تحولات. وهذه الحالة العربية تنتظرها استحقاقات خطيرة واستهدافات كثيرة ... كل هذه الحالات في لبنان، وكل هذه الحالات في فلسطين. لبنان بلا رئيس. وكثيرون يحذرون من أنه سيغرق. فلسطين تحرق. تحرقها إسرائيل. وتشعل بعض الحرائق سياسات وحسابات بعض العرب المعروفين بالسوابق في هذا المجال. والعراق بين الأميركيين والإيرانيين سبب تفاوض أو تعارض وساحة تفاوض وتعارض. طفرة مالية هائلة في العالم العربي وثلث الشعب العربي أميّ فأين أمة العرب؟ وماذا تعني قمة العرب؟ ليست صورة سوداوية أو تشاؤمية أبداً. إنها الحقيقة مع التأكيد على ما لحق بإسرائيل من هزائم في لبنان وفلسطين، لكن المؤسف والمؤلم هو أن الإنجازات والانتصارات، تأثرت كي لا أقول تبخرت بسبب السياسات الخاطئة التي اعتمدت ومحاولات الاستقواء بها على الأشقاء والشركاء أو ترك المجال لاستثمارها من قبل بعض الحالات العربية التي ذكرت، والتي تسير في اتجاه التفاوض مع إسرائيل مستفيدة من تضحيات المجاهدين؟ وبعد، ماذا عن المستقبل؟ دون مبالغات، وتكبير للطموحات، فلنعالج المسائل الصغيرة على الأقل ولتبقى علاقات تعيد إنتاج الثقة، لتكون شراكة في تشخيص الحالة الواحدة بشكل صحيح، فيتم تشخيص الحل الواحد الصحيح.