"الهسبانك"... صورة أخرى للمهاجرين!

---------------

يتناول المؤلف والكاتب الصحفي جيرالدو ريفيرا، ظاهرة "الهسبانك"، وهي هوية ثقافية عرقية لكافة المجموعات المهاجرة في أميركا، والتي تنحدر من أصول إسبانية أو من أميركا اللاتينية، سواء من ناحية الكثافة السكانية، أم من ناحية التأثير الثقافي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي على الحياة الأميركية إجمالاً. وتكتسب هذه الدراسة أهميتها بصفة خاصة في ظل الحملة الانتخابية الرئاسية الحالية، بسبب التأثير الواضح لقضايا الهجرة والمهاجرين عليها. بل إن قضية الهجرة، وخاصة اللاشرعية منها، أصبحت إحدى أهم القضايا الخلافية في السياسة الأميركية. وبسبب أهميتها وتصاعد الخلاف حولها، فقد هزمت خلال الأشهر القليلة الماضية، الجهود الرامية لتمرير قانون جديد للهجرة عبر الكونجرس بمجلسيه. ومؤلف الكتاب هو نفسه من رموز هذه الفئة العرقية التي يثور حولها الجدل والنقاش، وهو ما يعطي كتابه بُعد النظر إلى الذات تارة، وإعادة النظر إليها بعيون الآخرين تارة أخرى. وخلافاً لكثيرين من أقرانه، يتحرى المؤلف الموضوعية في تناوله لهذه القضية التي طالما لفها الضباب والعصبيات التي حمّلت اللاتينيين أو "الهسبانك" كافة الجرائم والتراجعات التي تشهدها الحياة الأميركية. هذا من وجهة نظر عصبيات الأميركيين البيض الكارهين للأجانب بشكل عام، وللاتينيين بصفة خاصة، باعتبارهم أبطال الهجرة الكثيفة غير الشرعية عبر الحدود المشتركة بين الولايات المتحدة والمكسيك. أما بعيون الكثير من الهسبانك، فيختلف الأمر تماماً، لأن هذه الفئة تنظر إلى نفسها باعتبارها صاحبة الحق الأصلي المتوارث في التراب الأميركي، طالما أن الأجداد الهسبانك كانوا هم السباقون في الوصول إلى هذه البقعة التي جاءها البيض لاحقاً ليدّعوا ملكيتها. وبالمنطق نفسه، ينظر الهسبانك الرافضون لتشريعات العمل التي تحرم المهاجرين غير الشرعيين من حقوق العمل، وكذلك إلى قوانين الهجرة السارية عموماً وغيرها من تشريعات وممارسات أمنية سارية، باعتبارها سرقة لحقوقهم الأصلية من قبل البيض المغتصبين لأراضيهم. وكما نعلم فإن عاملاً رئيسياً في تزايد خوف الأميركيين البيض من اللاتينيين يعود إلى تزايد تدفقات الهجرة عبر الحدود المفتوحة، ما يعني خسارة كثير من الموظفين والعمال البيض لوظائفهم أمام وفرة العمالة المكسيكية الرخيصة. كما يرتبط ذلك الخوف بما ينسب إلى الهجرة غير الشرعية من ارتفاع معدلات الجريمة في المجتمع الأميركي خلال العقد الماضي.
على أن الذي قام به المؤلف في هذا الكتاب، هو وضع قضية الهجرة غير الشرعية في سياقها التاريخي القانوني أولاً، مستعيناً في ذلك بتجربة معاناة أبويه كي يكونا مواطنين أميركيين "حقيقيين" إلى جانب محاولته تلمس معاناة المهاجرين الآخرين من غير الهسبانك، ومنهم الأفارقة على سبيل المثال، في تحقيق ذلك الحلم الرامي للاندماج الفعلي في المجتمع الأميركي. وأهم ما اتسم به جهد ريفيرا في هذا المجال، هو تبديده للوهم القائل إن أميركا تواجه أزمة مهاجرين غير مسبوقة في تاريخها. وهذا ما يعطي الكتاب أهميته من ناحية كونه مساهمة جدية في الحوار القومي العام الدائر حول الهجرة.
أما عن الجانب القانوني، وخاصة في معرض الربط بين الهجرة والجريمة، فيقول المؤلف إن المهاجرين ليسوا أكثر عرضة للسلوك الإجرامي من المواطنين الأصليين. بل يورد من الإحصاءات والشواهد القانونية ما يؤكد انخفاض معدلات الجريمة بين المهاجرين، قياساً إلى المواطنين الأصليين. ومن هذه الشواهد مثلاً أن مكتب المحاسبة العامة، المختص بتحليل إحصاءات مكتب التحقيقات الفيدرالي، توصل إلى أن عدد المعتقلين في اتهامات إجرامية من بين المهاجرين لا يتعدى نسبة 19% من إجمالي المعتقلين في اتهامات كهذه في عام 1985، مع العلم أن المهاجرين يشكلون نسبة 19.6% من إجمالي السكان الأميركيين. ووفقاً لهذه الإحصائيات، فإنه يسهل استنتاج انخفاض الجريمة إلى أدنى معدلاتها بين فئات المهاجرين عموماً، قياساً إلى معدلاتها بين المواطنين الأصليين. غير أن هناك من أخذ على المؤلف استنتاجاته هذه، وكأنه رمى بها إلى القول: "كلما ازدادت معدلات الهجرة غير الشرعية -من المكسيك خاصةً- كلما انخفضت معدلات الجريمة في أميركا"، متناسياً بذلك أن الهجرة غير المشروعة نفسها هي أساس الجرائم جميعاً! بل مضى هذا النقد إلى القول إنه يصعب جداً على المؤلف إقناع المواطن الأميركي العادي بأن الهجرة، بشكليها الشرعي وغير الشرعي، هي التي تمثل المعيار المثالي لقياس المواطنة الأميركية.
وهناك من أخذ على الكتاب وقوعه في مشكلتين رئيسيتين؛ أولاهما كون مؤلفه ينتمي إلى ذات الفئة العرقية التي يتناولها بدراسته، بكل ما ينطوي عليه انتماء كهذا من انحياز وعصبية مسبقة ضد الآخر. واستدل هؤلاء على الأوصاف الواردة في الكتاب لمناطق بكاملها، مثل فينيكس وأريزونا، بأنها "أميركية مطلقة". وفي هذا الوصف ما يخفي شحنة عاطفية لا تساعد كثيراً على البحث الموضوعي. أما المشكلة الثانية فهي توجّه الكتاب كله إلى العنصريين الأميركيين الذين يصعب على أمثال مؤلفه –كما يقولون- المساهمة في تغيير آرائهم ومعتقداتهم العنصرية المعادية للمهاجرين عموماً.
على أن البعض رأى في الكتاب مساهمة علمية قيمة في دراسة أوضاع المهاجرين اللاتينيين، وإبراز الدور الإيجابي الذي يؤدونه في إثراء التنوع الثقافي والاجتماعي والعرقي الأميركي، فضلاً عن تبيان دورهم التاريخي في بناء الأمة الأميركية.

عبدالجبار عبدالله

ـــــــــــــــــــ

الكتاب: "الهسبانك": لماذا يخاف الأميركيون وجودهم ؟
المؤلف: جيرالدو ريفيرا
الناشر: مطابع سليبرا
تاريخ النشر: 2008