لا يختلف اثنان على أن تأثير اللوبي اليهودي والصهيوني في الولايات المتحدة على سير ونتائج الانتخابات الرئاسية، ما يزال كبيراً وله فاعلية مؤثرة تدفع المرشحين نحو تبني سياسات منحازة للغاية لإسرائيل. وهذا الأمر هو ما رصدته مؤخراً صحيفة الـ"واشنطن بوست" البارزة في تقرير صحفي أعده "جوناثان وايزمان" رصد فيه الهجوم الذي تعرض له المرشح الديمقراطي باراك أوباما من قبل الجمهوريين بشأن مدى التزامه بأمن إسرائيل ومستقبلها على اعتبار أنها "الدولة الديمقراطية الوحيدة المستقرة" في منطقة تعج بالصراعات. ومن جهته، لم يشأ أوباما خسارة هذه القوة التصويتية المؤثرة، فذهب يطمئن المجتمع اليهودي والصهيوني، فسارع لتأكيد اعتباره أمن إسرائيل شيئاً مقدساً، معلِناً رفضه للدعم الذي قدمه له رئيس حزب "أمة الاسلام" لويس فاراخان المعروف بعدائه لإسرائيل، ومضيفاً: "إن "تصريحات فاراخان المتكررة المعادية لإسرائيل ولليهود غير مقبولة، وتستحق الشجب... وسبب ذلك أنني أعتبر نفسي صديقاً مقرباً لاسرائيل التي يمكن وصفها بأحد أهم حلفائنا في الشرق الأوسط". وفي مقابلة مع صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية، أكد أوباما أنه لا يؤمن بأن الدبلوماسية وحدها ستوقف إيران عن إنتاج السلاح النووي، وأنه "ستكون هناك حاجة للقوة لتحقيق هذا الهدف"، معتبراً أن "إيران تشكل اليوم أكبر خطر على إسرائيل". كما قال إنه "لا يمكن التعاطي مع تهديدات الرئيس الإيراني بإبادة إسرائيل على أنها خطابات فقط"، مؤكداً أن مهمته، إن أصبح رئيساً، "ستكون إزالة هذا التهديد". وعلى الرغم من كل هذه التعهدات بأمن إسرائيل، فإن عدداً من قادة الحزب الديمقراطي أكدوا أن الكثير من أصوات اليهود خصوصاً في ذلك الحزب، ستذهب إلى المرشح الجمهوري جون مكين، لأن اليهود الأميركيين يتشككون بنوايا وسياسات أوباما تجاه أمن إسرائيل. ذلك أن الأخير، قد شجب الحرب الكارثية في العراق؛ باعتبار أنها حرب "ما كان يجب السماح بحدوثها وما كان يجب شنّها". كما أكد أمراً دأب منذ ذلك الحين على تكراره، ألا وهو نيته سحب القوات الأميركية من العراق، والدخول في محادثات مع إيران وسوريا. من هنا، كان طبيعياً أن تثير وجهات النظر هذه الخوف بين الصقور الإسرائيليين (وغيرهم) وبين الأميركيين الأكثر تشدداً الداعمين لهم (وغيرهم)، وبات هؤلاء يتساءلون: هل من الممكن أن يستخدم أوباما، في حال انتخب رئيساً، القوة الأميركية لفرض قرار على إسرائيل لحل الصراع العربي الإسرائيلي الطويل الأمد، ودعم قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، وهو أمر طالما سعت إسرائيل وأصدقاؤها إلى تقزيمه وتلافيه؟ وهل تأييد أوباما لأمن اسرائيل، ليس تأييداً مطلقاً على غرار تأييد الرئيس بوش الابن خلال سنوات حكمه؟! وقد اعتمد هؤلاء أيضاً على "خطأ" ارتكبه أوباما، فرفضوا أن يغفروه له عندما قال: "على الحكومة الإسرائيلية أن تقدم تنازلات صعبة لإعادة إطلاق عملية السلام"، وأنه "لم يتعرض شعب للعذاب أكثر من الشعب الفلسطيني"، وأن "إقامة جدار لفصل الدولتين (إسرائيل وفلسطين)، هو مثال آخر على إهمال الإدارة الأميركية دورها كوسيط في عملية السلام". كما يؤخذ صهيونياً على أوباما، أنه أثناء اجتماع له في كليفلاند مع القيادات اليهودية الأميركية، ورغم أنه تحدث بمواقف أعجبت فحواها اللوبي الإسرائيلي، فإنه أثار مخاوف هؤلاء حين تحدث عن ضرورة النقاش الحر وحرية التعبير عن الرأي عند طرح الموضوع الإسرائيلي في الولايات المتحدة، حيث فوجئ عندما ذهب الى اسرائيل بوجود "نقاش منفتح"، مضيفاً أنه لمس "حواراً صادقاً وعميقاً أكثر مما هو في الولايات المتحدة". وتابع قائلا: "إنه يتفهم كيف أن الأسرة الدولية الموالية لإسرائيل تبدو أحياناً كأنها تحمي وتخشى من فتح أفق النقاش"، مؤكداً أنه "يعارض الرأي القائل بأنك إذا لم تتبن أسلوباً موالياً لحزب "الليكود" في اسرائيل، تعتبر معادياً لاسرائيل". ثم أضاف أنه يعارض "أنماط الإدانة الجاهزة، ومنع النقاش في مسائل صعبة عندما يتعلق الأمر بإسرائيل". وقد استمرت المآخذ ضد أوباما، رغم أنه طالب "حماس" بالاعتراف بـ"حق اسرائيل في الوجود" لتكسب مقعداً لها على طاولة المفاوضات، وأوضح تفهمه بأن لإسرائيل "أعداء عازمين على تدميرها، نرى نواياهم في كل عملية انتحارية وكل صاروخ كاتيوشا أطلقه حزب الله على اسرائيل في عام 2006 وفي كل قذيفة قسام تطلق على اسرائيل بقرار من غزة أو من طهران"! ورغم كل ذلك، لا زال أوباما يواجه حملة تتعلق بمستشاريه الذين يتهمون صهيونياً بالتعاطف مع الفلسطينيين، وباعتبارهم شخصيات "مشكوك بها" و"مزعجة" لإسرائيل، الأمر الذي دفعه للدفاع الاعتذاري عنهم، لافتاً إلى أنه لا أحد منهم على الإطلاق تحدى أسس العلاقة مع اسرائيل و"ضرورة مدها بالأمن والمساعدات العسكرية والمساعدات الاقتصادية"، مشدداً على التزامهم والتزامه "بحل الدولتين"، وضرورة أن تكون اسرائيل "دولة يهودية". غير أن الحملة الصهيونية استمرت ضد المستشارين الذين كانوا ضمن فريق الرئيس كارتر صاحب كتاب "فلسطين... السلام لا الفصل العنصري"، وعلى رأسهم زبجينيو برزينسكي مستشار الأمن القومي المقتنع بأن الضغوط اليهودية تكمن وراء السياسة الأميركية الراهنة المتعارضة مع المصالح الأميركية، وكذلك الحال مع روبرت مولي الذي يحمّل إسرائيل فشل محادثات كامب ديفيد عام 2000، فضلاً عن انزعاجهم الشديد من علاقة أوباما مع رجل الدين المسيحي جيريمي رايت ومجموعته من المناهضين المسيحيين لإسرائيل. من جهته، وبرؤية استراتيجية نافذة، ترفض النظرة المتعصبة ضيقة الأفق، أكد الكاتب البريطاني باتريك سيل في مقال له بعنوان "لماذا يعتبر باراك أوباما رئيساً جيدا بالنسبة لإسرائيل؟"، أن "السؤال الأساسي هو: من الأفضل سياسة لإسرائيل؟ أوباما أم صقور "المحافظين الجدد"؟ وهنا، يطالب سيل "إسرائيل وأصدقاءها بالتفكير فيما إذا كان حل النزاع العربي -الإسرائيلي أفضل لإسرائيل من المواجهة العنيفة الحالية، وما إذا كانت تهدئة العلاقات العدائية لأميركا مع كل من إيران وسوريا و"حزب الله"، أفضل لاسرائيل من وجود هذه الدول التي تهدّدها على حدودها". ويختم سيل مقالته قائلاً: "وبدل الخوف من أوباما وتشويه سمعته، أجدى لإسرائيل وأصدقائها التفكير في إمكانية أن يكون الرئيس الأميركي المقبل قادراً على إرساء السلام في الشرق الأوسط أخيراً، وإقامة مصالحة ضرورية بين الغرب والإسلام". لكن من ذا الذي بقي يسمع صوت العقل والعدل، النسبي طبعاً، في أوساط القيادة الإسرائيلية وأنصارها من الأميركيين المنحازين؟