لا أظن أنه سيكون هناك جديد في المنطقة خلال الشهور الباقية على رئاسة جورج بوش الابن. أما ما إذا كان ثمة جديد فيما بعد بوش فأمر فيه نظر. أتصور مبدئياً أن ثمة توازناً دقيقاً ومتحركاً في موجات قصيرة بين اليمين الأميركي المتطرف الذي عبَّر عنه بوش وقد يعبر عنه "ماكين" المرشح المرجح للحزب "الجمهوري" من ناحية و"الديمقراطيين" من ناحية أخرى. أما داخل "الديمقراطيين" فالتوازن أشد دقة وحرجاً بين أنصار مبدأ الأمن القومي ومذهب القوة لتأمين انفراد أميركا بالقرار الدولي وتمثلهم السيدة هيلاري كلينتون، والقوى التقدمية التي تريد أميركا قادرة على قيادة العالم نحو السلام ونزع العسكرة والبوْلسة (من تسييد البوليس على حساب المجتمع السياسي وهو ما يحدث في أميركا بوش) وإيلاء الاهتمام لقضايا الفقر والبيئة والتنمية البشرية في الداخل. وان لم تنجح "المؤسسة" في ترويض باراك أوباما فهو يعبر بحماس وبروح شبابية عن هذه القوى. والواضح أنه لن يكون هناك تغيير كبير في المبادئ العامة وأسلوب تنفيذ السياسة الأميركية في المنطقة التي يسمونها بالشرق الأوسط إن فاز ماكين أو فازت هيلاري كلينتون. ولكن الفارق يظهر في الموقف من قضايا محددة، وعلى رأسها قضية سحب القوات الأميركية من العراق. فالسيدة كلينتون التزمت بإنهاء الاحتلال العسكري للعراق وإعادة القوات الأميركية لبلادها. وهذه تمثل واحدة من القضايا القليلة التي يتفق عليها المرشحان "الديمقراطيان" وإن بدرجات مختلفة، وبمستويات متباينة جداً من المصداقية. فالسيدة كلينتون ليست لها مصداقية تقريباً في كل شؤون السياسة الخارجية ومعرفتها بها محدودة، حتى صارت مادة للسخرية أمام البرامج الحوارية وفن الكاريكاتير الصحفي. ويعني ذلك أن التغير المحتمل في السياسة الأميركية في الشرق الأوسط ينصرف أساساً إلى حالة فوز "أوباما" ليس لأن لديه فلسفة مختلفة تماماً للسياسة الخارجية، بل لأن أجندة تقوم على الاستجابة السريعة وربما الحاسمة لمطلب الشعب الأميركي بإعادة التركيز على الداخل مقابل التركيز على السياسة الخارجية طوال عهد "الجمهوريين" وبالذات إدارة بوش. ومع ذلك فعلينا أيضاً أن نأخذ في الاعتبار الفروق المهمة ولكن المحصورة في قضايا محددة بين ماكين وكلينتون. هل تستحق الانتخابات الأميركية الاهتمام؟ كثيرون في العالم العربي والإسلامي سيعارضون الاهتمام بالانتخابات الأميركية. إذ صار مجرد إيلاء الاهتمام لهذه الانتخابات، أو بما يقوله الأميركيون ويعملونه سلوكاً معيباً بمعنى معين ربما لدلالته على استمرار عقيدة التبعية لأميركا، التي جسدها أو بررها الرئيس الراحل أنور السادات عندما ادعى أن 99% من أوراق اللعبة بيد أميركا. وبوجه عام يبدو أن العقل العربي انقسم بين دعاة دبلوماسية ورأي عام عالمي وسياسات التفاوض من ناحية، ودعاة الحل العسكري والمقاومة والتعبئة الداخلية ورفض المفاوضات والبدء بالحد الأقصى من ناحية أخرى. وواقع الأمر أن السيطرة الطويلة لمدرسة التفاوض والدبلوماسية وفشل النظم العربية المخجل في تحقيق أي إنجاز في أية قضية عربية وعلى رأسها قضية فلسطين وانطلاق التطرف الأميركي والإسرائيلي من عقاله دفع لتحقير شديد حتى لأبجديات السياسة وفنون الدبلوماسية. ومن المحتمل أن العقل العربي غير الرسمي، سواء كان منظماً في تيارات أو غير منظم، صار يمقت السياسة والتفاوض ومن ثم الحديث عن التغيرات في الوضع العالمي أو في الرأي الأميركي. ومع تقديرنا لأسباب هذا المزاج أو الموقف فهو يخطئ في نواحٍ جوهرية للغاية. فليست هناك خصومة بين المقاومة والنضال من أجل الحقوق العربية من ناحية والحساب الدقيق للتوازنات والمواقف الدولية من ناحية أخرى. ويجب على المقاومين أكثر من دعاة التبعية حساب وتقدير الانتقالات في السياسة الدولية بل ودفعها أو صنعها عند اللزوم. ومن هذا المنظور فالاستعداد بأجندة ومواقف سياسة طازجة ومصوغة جيداً للاشتباك مع الواقع الأميركي الذي قد تسفر عنه الانتخابات هو أفضل خدمة ممكنة لمدرسة المقاومة بل ولمدرسة الاعتماد على الذات. فانتظار أن تنتج أميركا مواقف وسياسات ما بعد الانتخابات الرئاسية يعني أننا نستمر مفعولاً به نتلقى ولا نصدر خطاباً، ونرد ولا نبادر، ونصد ولا نمنع الأسوأ. وبوجه عام فما كشفت عنه "موجة أوباما" وعلامات عديدة قبلها وبعدها أن الولايات المتحدة لم تعد تستطيع الانفراد بالشؤون العالمية، وأن مكانتها النسبية في النظام الدولي تتراجع، وأن هناك قوى داخلية كبيرة تريد تحولات عميقة في المواقف الأميركية من الصراعات والقضايا الدولية تجعلها أكثر إنسانية وتعاوناً مع العالم وأقل عدوانية. وما ندعو إليه في الحقيقة هو الاستعداد لصياغة استراتيجية تتفاعل مع القوى التقدمية في أميركا، والتي تساند "أوباما" حتى لو لم يكن أفضل تعبير عنها، بل حتى لو تصرف بصورة انتهازية نسبية مثلما فعل الرئيس السابق بيل كلينتون من قبله حيث صعد على أكتاف القوى التقدمية، ثم صرفها وخانها وتحيز للقوى الوسطية والبراجماتية، فلم يصنع فرقاً باقياً في السياسة الأميركية، ومهد لهزيمة "الديمقراطيين" أمام بوش الابن واليمين الأصولي المتطرف. ولكن ما هي الأجندة الجديدة التي نقترحها؟ وهل الوقت الآن مناسب لطرحها؟ وعلى من نطرحها سواء في أميركا أو على المستوى الدولي؟ سنحاول الإجابة عن هذه الأسئلة خلال الأسابيع القليلة المقبلة. وبكل أسف فليست هناك نماذج ملهمة في السياسة العربية. ولكني أتصور أننا يمكن أن نفيد كثيراً من مبادرة عدد من الساسة العراقيين الذين يطلقون الآن مبادرة جديدة لإنهاء المحنة الممتدة للعراق. وهم يطالبون بوضع العراق تحت إشراف مؤقت للأمم المتحدة، وإنهاء الاحتلال الأميركي، وتولي حكومة جديدة ومحايدة لمسؤولية إدارة الانتقال في العراق، وإجراء انتخابات برلمانية جديدة. الجديد في مبادرة أو "أجندة" واضحة من هذا النوع هو تأكيد الدفع نحو النضال السلمي بعد أن نزف العراق كل دمه تقريباً سواء بسبب وبقوة الغزو الأميركي، أو باسم المقاومة ذات الفلسفة "القاعدية". ويعني ذلك المزاوجة الدقيقة بين المقاومة والحق في السلم الأهلي بالنسبة لبلد عانى كل هذا القدر من العنف. ومن زاوية المقاومة يتحدث هؤلاء الساسة العراقيون عن "حل سعيد" يقوم على إنهاء الاحتلال وتأسيس دولة ديمقراطية في نفس الوقت. وكانت السياسة العراقية قد انقسمت بين دعاة ديمقراطية يؤيدون الاحتلال أو يريدون إبقاءه أطول فترة ممكنة، ودعاة مقاومة ولكنهم أبعد ما يكونون عن قبول الفكرة الديمقراطية. ويطرح هؤلاء الساسة العراقيون صيغة تشبه التفويض الذي حصل عليه الوفد المصري بقيادة سعد زغلول عام 1919 وهو ما يدفعهم للدعوة لجمع التوقيعات الشعبية. ولو كانت لدى هؤلاء قدرة تنظيمية لأمكنهم أولاً أن يعبئوا الأغلبية الشعبية كما تظهر في جميع الاستطلاعات (الأميركية) والتي تريد إنهاءً سريعاً للاحتلال الأميركي وبناء دولة ديمقراطية في نفس الوقت. إن صياغة مثل هذه الأجندة وطرحها مبكراً على المجتمع الأميركي يمكن أن تكون بدورها حلاً سعيداً لأميركا ذاتها، لأن القوى التقدمية الأميركية تريدها ويمكن أن تلزم بها "أوباما" بل وكلينتون، إن وصل أحدهما للمقعد البيضاوي في البيت الأبيض.