ماذا لو تصورنا أن يترك زعماء العرب نزاعاتهم الحادة جانباً، وهي التي قد تشل اجتماعهم القادم نفسه في دمشق لينشغلوا بقضايا في العالم المحيط بهم -تمسك بدورها بتلابيبهم- مثل ممارسات سياسة الفوضى البناءة، أو الزحف الصيني في العالم، أو مشكلات التعاون العربي- الأفريقي، أو عقبات تكتل بلدان الجنوب، أو حصار الفكر والقيود على حركة المعلومات والمعارف الجديدة؟ وماذا لو انشغلت معهم تجمعات المثقفين بهذه القضايا وقدمت مساهماتها المخلصة تضعها أمام القادة والحركات السياسية والاجتماعية بدلاً من كل هذا الانشغال بالندوات والجوائز، أو محاولة الإفلات من قيود الحكام؟ والتزاماً مني بتخصصي، دعوني اقترح البدء بطرح قضايا العمل العربي- الأفريقي ومشاكله على أرض القارة متصوراً أن تركن القمة القادمة في هذا الشهر، "القضايا المعطلة"- وهي هنا أكثر من الثلث!- إلى القضايا الملحة في مناطق الجوار الأفريقية، والتي أراها معطلة بدورها لفرص المستقبل أمام العرب في العالم، مع أن ثمة فرصاً ممكنه لمستقبل مختلف. وإذا بدأنا بالموقف العالمي العام تمهيداً للدخول إلى القضايا الإقليمية، فدعونا نقول إن العرب مطالبون بنظرة متعقلة إلى حقائق الصراع والسلام في العالم، فهناك اتجاه ملحوظ لعودة "عالم متعدد الأقطاب" يسعى فيه الروس والصينيون وبعض رموز الجنوب إلى عالم مختلف. ومن حسن الحظ أن الجميع لا يسعى إلى صراع سياسي مباشر الآن بقدر ما يطلبون "فرص سلام" لبناء اقتصاديات جديدة، قد تسمى اشتراكية السوق في الصين، أو الدولة الوطنية الرأسمالية في روسيا، أو توازن المصالح في بعض بلدان الجنوب... الخ. فأين المسمى العربي في هذا الموقف؟ أمامنا خيار الاتجاه الأميركي لعسكرة العالم تباعاً وتحميل العرب نفقات هذه العسكرة بما يشترونه من سلاح، وأمامنا منتج الفوضى البناءة وتحملنا بعض نتائجها في العراق ولبنان وفلسطين، والصومال وأمامنا تحويل إدارة السياسة الأميركية الأفريقية إلى وزارة الدفاع على حساب الدبلوماسية أو إدارة التجارة الدولية في واشنطن كما كان الحال طويلاً. فهل سيتعاون العرب في عملية العسكرة هذه، أم يطالبون أصدقاءهم في واشنطن بالتعقل، أو المضي وحدهم مباشرة إلى مناطق الصراع بالتوجه السلمي؟ هل نفرح بشعارات "نصرة الإسلام" في كوسوفو أو باكستان أو الصومال أو حتى الخرطوم وتشاد، دون تفكيك هذه الرؤية إلى سياسات موضوعية تحاور الأطراف أو الاستقطاب العالمي الجديد، بما يحقق سلاماً حقيقياً هنا وهناك، بعيداً عن مجرد العسكرة الأميركية، التي قد يتغير اتجاهها مع تغيير الإدارة في واشنطن قريباً، فنقعد في حرجنا وتبعياتنا الجديدة؟ ولنأخذ قضية عامة أخرى على المستوى الأفريقي والعالم الثالث؟ فأمام هذه الموجه البترولية الجديدة، والتي قد يأخذ ارتفاع الأسعار العالمي خلالها بخناق الدول الفقيرة، هل ننتظر المعالجة الضيقة لمشاكلنا مع بعض دول الجوار الأفريقي، ونؤسس البنوك العربية- الأفريقية وصناديقها غير الفعالة، أم ننتهز الفرصة ونعالج الموقف في دائرة "أوبك" لنصبح بذلك قوة اقتصادية صاعدة، مثلما صعدت الصين من قبل، وتعالج قضايا التعاون الدولي من هذا المنطق بمؤسسات كبرى تتحرك بالمليارات، بدلاً من تجربة دفع ثلاثين ملياراً سابقة في موجة التعاون العربي- الأفريقي في السبعينيات ابتلعتها الشركات الغربية دون فائدة تذكر على الأرض؟ لماذا لا نستفيد من "التوجهات الاقتصادوية" هذه المرة، والتي تحكم عمل الصين وروسيا واليابان وجنوب أفريقيا، مادمنا لسنا ملتزمين بـ "سياسة" مواجهة التغلغل الإسرائيلي في أفريقيا؟ ولننتقل إلى بعض القضايا الفرعية لاستكمال جدول أعمال القمة العربية. *الدول المحتلة: هل يقبل العرب التوقف عند مناشدة إثيوبيا بالانسحاب من الصومال على نحو مناشدة الأميركيين بالانسحاب من العراق؟ هل يقبل مجلس القمة الموقر بحضور قيادات أربع دول عربية "مستقلة" وفاقدة الاستقلال في الوقت نفسه، إذا أضفنا جزر القمر وفلسطين إلى القائمة، دون أن نضع كل هذا الوزن العربي إلى جانب استقلال حقيقى لبلداننا؟ ألا يمكن إدارة التحالفات الدولية بشكل آخر؟ هل تترك فرنسا في جزر القمر محتلة لأكبر جزرها (مايوت) ومهددة الجزيرة الأخرى (نجوان)، كما تهدد السودان ودارفور عبر تشاد وأفريقيا الوسطى التي تهيمن عليها القوات الفرنسية، ثم لا نستطيع مساومة فرنسا بكل هذه الارتباطات الاقتصادية الأخيرة مع العالم العربي مشرقاً ومغرباً؟ هل يمكن أن نستثمر القرار الأخير للاتحاد الأفريقي بالتدخل المباشر- وفق لوائحه- في جزر القمر لضمان وحدة هذه الدولة الصغيرة ذات الأهمية الكبرى في المحيط الهندي؟ *في الدول الصديقة: ثمة شخصيات ذات وزن كبير في دولها تتيح الفرصة للتعامل معها كرموز للاقتراب العربي- الأفريقي، وهذه الدول مؤهلة بحكم موقعها لتلعب أدواراً في حراك القارة لا يخلو من فائدة! ولعلنا تابعنا عملية حل"الأزمة الكينية" ليصبح رئيس الوزراء هو "رويلا أودينجا" ومساعديه من أبناء الجاليات والمناطق ذات الأصول العربية. و"أودينجا" نفسه هو ابن الزعيم التاريخي "أوجنجا أودينجا" زميل "جومو كنياتا"، وكان الطفل "رويلا" قد عاش جزءاً من نشأته في القاهرة، كما كان لأبيه مكتب ضمن مكاتب حركات التحرير الأفريقية في العاصمة المصرية أواخر خمسينيات وأوائل ستينيات القرن الماضي. وهو يشير للأصدقاء بذكرياته الطيبة عن مصر والعالم العربي، ومع حاجة الرئيس "كيباكي" لمواصلة برنامجه الاقتصادي، ومودة "أودينجا" وصحبه تجاه العرب، أظن أنه يمكن تصور موقع جديد في هذه النقطة المهمة بشرق أفريقيا، ومن أجل سياسة أفضل هناك وفي القرن الأفريقي على السواء. بالمثل نجد أن عودة "عمر كوناري" إلى مالي بعد أن أدى مهمته في الاتحاد الأفريقي، تجعل لصوت عالم التاريخ هذا وزناً جديداً للتراث العربي- الأفريقي المشترك في منطقته، ويجعل للثقافة دوراً قد لا تحققه الاستثمارات التقليدية. وليتخذ العرب قراراً جديداً بأن تكون "الثقافة" أيضاً مثل الاقتصاد، نافذة على العالم، ماداموا لا يستطيعون التعامل بمزيد من الجرأة في السياسة. هكذا أتصور اجتماعاً أكثر جدوى للقمة العربية القادمة مادامت الصراعات تتفجر أمام المصالح المباشرة.