لم تقدم العملية الأخيرة التي استهدفت مدرسة للمتطرفين اليهود سوى تأكيدٍ بأن الشتاء ساخن، فقد جاءت بعد عمليات الجيش الإسرائيلي في غزة التي أُزهقت فيها أرواح كثيرة وعِيثَ في القطاع فساداً في ما أطلقت عليه إسرائيل اسم "الشتاء الساخن". ورغم التردد في تبني العملية، فقد قيل إنها من عمل "حزب الله"، وهو ما فُهم مما أوردته قناة "المنار" من أن "مجموعة مغنية وشهداء غزة" من كتائب أحرار الجليل هي التي نفَّذتها، ثم باركها ناطق باسم "حماس"، وترك مسألة التبني للذراع العسكرية للحركة. إنه شتاء ساخن فعلاً للصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، فـ"حماس" و"فتح"، كالعادة، في خلاف أيديولوجي وسياسي، وقد تأثرت حركة "فتح" بـ"حماس" تأثراً كبيراً إلى درجة شلَّت حركتها ومسارها التفاوضي بعكس "حماس" التي لم تتأثر إلا بقدر ضئيل، فمسار التفاوض بين قادة "فتح" وإسرائيل وما تتبناه معظم الدول العربية، بدعم من الغرب، تقوِّضه "حماس" بعملياتها وعلاقاتها التي تتقاطع أيديولوجياً وسياسياً مع دمشق وطهران و"حزب الله". ليست كل الأمور تتدهور بسبب "حماس"، بل إن تل أبيب محور رئيسي في تدهور الوضع على المسار الفلسطيني- الإسرائيلي التفاوضي، فهي تفاوض على ملفات وتؤجِّل أخرى، فملفات الحدود والتجارة الخارجية قد تكون عصيَّة ولكنها قابلة للحل، أما ملف القدس، فإسرائيل ترغب في المراهنة عليه بجعله آخر الملفات، وعند الفشل فيه تفشل قطعاً كل الاتفاقات التي تم التفاوض عليها. كما أن إسرائيل وحصارها لغزة أيقظ العالم على حقيقة الوضع الإنساني فيها، فها هي مفوضية حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة تدين عملية "الشتاء الساخن" وإطلاق الصواريخ الفلسطينية بناءً على طلب باكستان والسلطة الفلسطينية ومنظمة المؤتمر الإسلامي والجامعة العربية، كما أن ثماني منظمات بريطانية تشير في تقرير إلى أن وضع غزة يتدهور إلى أسوأ حال منذ نكسة 1967، وأن ما يحدث انتهاك صارخ لحقوق الإنسان. والمنظمات البريطانية لا تحمِّل إسرائيل وحدها ما يحدث من انتهاكات بل هي تحمِّل "حماس" أيضاً، وقد ناشدت الدول الغربية للتصدي لما يحدث في غزة. إذا كانت "فتح" في وضع يعصفُ بها جراء حمم هذا الشتاء، فعقيدتها وأيديولوجيتها السياسية لم تعودا قادرتين على صدها. وإذا كانت تل أبيب إحدى هذه الحمم، فهو أمر مسلَّم به باعتبارها طرفاً في الصراع والتفاوض والصدام، ولكن أعقد الحمم هي تلك التي تأتي من الداخل الفلسطيني عبر "حماس"، فهذه الأخيرة و"حزب الله" وطهران ودمشق أصبحت في حلقات متشابكة، حتى أن طهران ودمشق، لو رغبتا في تغيير سياساتهما تجاه الغرب وتجاه الصراع مع إسرائيل من خلال الحصول على التكنولوجيا النووية وبعض المكاسب فمن الصعب حدوثه، بل حتى الاتفاق على سياسات براجماتية معينة يُعد من المستحيل، فكيف يتم الاتفاق وثمة صراع عقدي وسياسي وقومي وأمني مع تل أبيب تخوضه "حماس" ودمشق و"حزب الله"؟ وكيف يحدث ذلك وطهران تملك محوراً ليس بالهين؛ لأنه يملك أموالاً ومؤسسات، لا سيما أنه يأتي من دولتين بنظامين ديني وقومي، ومن أحزاب وميليشيات وبه مذهبية عابرة للأقطار تستقوي بالعقيدة والمال والأرواح، وتضيف إلى ذلك معاداة إسرائيل والقومية التي تغني بها للشارع العريض في الشرق. وبذلك وإذا صح أن القلة من النظامين والأحزاب ورجال الدين والثوار يسيطرون على القرارات والسياسات للنظامين والأحزاب والثوار، إلا أن الاتفاق معهم مستحيل؛ لأنه لا أحد يملك تحقيق أهداف معينة وبَعدها يخطط، بل إن هذا المحور بدا كمن يريد أن يوقف عقارب الساعة الغربية لتخليص الشرق من سياستهِ وثقافتهِ وخرائطهِ ومصالحهِ، وقد اتضح هذا بعد غزو العراق، وذهبوا اليوم بعيداً بهذا المحور الذي ولَّد محوراً آخر ضده، ولكن هل هذا المحور يجيد قراءة اللعبة الدولية وتحقيق المصالح والأهداف المستطاع تحقيقها؟ سؤال نراه عبر طهران، التي أنذرتها موسكو بأنها ستتخلى عنها في القرارات الأممية إذا لم توقف عمليات تخصيب اليورانيوم، فكأن موسكو تقول لطهران: لا تذهبي بعيداً بما تفعلي، فما تفعلين يجب أن يكون بموافقة موسكو، أنتِ حجر مهم جدّاً في لعبة الشطرنج الدولية والعالمية التي تأتي من الشرق برياح التغيير وبرياح المصالح وتوزيع الأدوار. وها هي العلاقة تسوء أكثر بين واشنطن ودمشق التي أصبحت الأولى تشير إلى الثانية بأنها ترعى الإرهاب، وأوضح دليل على ذلك الحذر الأميركي من خلال ما اتخذته من تدابير احترازية لتفتيش السفن السورية أو تلك التي تخرج من الموانئ السورية. وليس من قبيل الحكم القول إن طهران ودمشق و"حزب الله" و"حماس" والمعارضة اللبنانية، تفقد الكثير من علاقاتها العربية والدولية، كما أنها لا تملك قاعدة للكسب والخسارة، فالكل يريد أن يربح مع الآخر، ولكن من المتوقع أن يختل هذا المحور إذا فَقدت أطرافُه حلقاتِ الصراع الخاصةَ والقريبة منها، كأن تكون المكاسب أكثر وأقوى خارج المحور، وهنا أقصد المعارضة اللبنانية تحديداً. ولكن بقاء أهداف عليا يجعل من السهل لأطراف المحور التي تخرج أن تعود في نقاط عدة مع الأطراف الأخرى، فيدخل الجميع في حلقة صراعية جديدة، وربما بمستوى وأدوات مختلفة. إذا كان هذا الشتاء ساخناً -كما أطلقه الجيش الإسرائيلي على عملياته الأخيرة في غزة، وكما حدث في العملية الفدائية في القدس الغربية- فإن معرفة المناخ الحقيقي للصراع الفلسطيني- الإسرائيلي تعد ضرورية لمعرفة التقلب الحادث في هذا الشتاء، فأولاً وقبل كل شيء، تحول الصراع، أو ما كان يسمى بالصراع العربي- الإسرائيلي، إلى صراع فلسطيني- إسرائيلي مع وجود صراعات أخرى مع دمشق، وأبعاد أمنية وصراعية مع لبنان وصولاً به إلى طهران على الساحل الخليجي، وعند التمحور في أحد أهم أوجه الصراع بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، فإن الصراع يكشف لنا عن حقيقة مهمة بين الطرفين، فالهويتان الإسرائيلية والفلسطينية تعتمدان على بعضهما البعض، فليس تقوية الهوية والعقيدة والأيديولوجية وتعزيز السياسات المختلفة من تفاوض وصدام أو تفاوض وتنازلات ومقايضات أخرى إلا صراع الهوية مقابل الهوية، فهما تعتمدان على الصراع وأوجههِ المختلفة. ولا بد من القول هنا: إن إسرائيل في الأساس لا تستطيع المحافظة على هويتها وعقيدتها الدينية وتعزز سياساتها المختلفة دون الطرف الفلسطيني، فالصراع يولد لدى الطرفين قوة في الهوية والأهداف والعقيدة، كما أنه يحفِّز على كثير من التفاعلات المختلفة على المستوى الشعبي لطرفي الصراع. فالمناخ العام، نراهُ عبر الرغبة الأكيدة في الحفاظ على الهوية الإسرائيلية من خلال الصراع مع الهوية الفلسطينية، وإن اختلفت بين فترة وأخرى أدوات الصراع أو تغيرت أدوار الصراع لتكبر في الشرق والغرب أو لتصغر، المهم أن هناك صراعاً يحافظ على الهويتين الإسرائيلية والفلسطينية، فإسرائيل راغبة في تكوين دولة فلسطينية لا تحمل مقومات الدولة السيادية، ولكنها راغبة بذلك في تكوين دولة ضعيفة تساهم وتقوي من الهوية الإسرائيلية على حقب طويلة في المستقبل. لا عجب في أن يصل الطرفان في الصراع إلى شتاء ساخن، فكيف والمناخ بينهما يلزمهما بأن يقلبوا الفصول بحلقات صراعية وتفاوضية وصدامية متعددة، ولولا تقلُّب الفصول هذا لانهارت قوة الهوية ودورها وحضورها في الشرق والغرب، وعلى الطرف الفلسطيني أن يدرك، كما يدرك الطرف الإسرائيلي، فوائد الصراع واستمراره...