ترسم إيران اليوم المشهد الإقليمي، وتجني السياسة الخارجية الإيرانية نجاحات مذهلة على الصعيدين الإقليمي والدولي، فيما تقف دول الخليج على أعتاب مشهد إقليمي جديد وسط حقائق على الأرض وتحالفات آخذة بالتشكل، لا تملك معها إلا الإقرار بحقيقة أن إيران هي القوة الاقليمية الوحيدة خليجياً. ويتشكل المشهد الإيراني داخلياً بصعود واضح للتيار "المحافظ" في الوقت الذي ينتظر فيه أن يتوجه الإيرانيون في الرابع عشر من الشهر الجاري لانتخاب أعضاء مجلس الشورى الإسلامي بالاقتراع الشعبي المباشر، البالغ عددهم مائتين وثلاثة وتسعين عضواً، حيث تجرى الانتخابات مرة كل أربع سنوات. ويترأس المجلس الحالي السيد ناطق نوري، حيث يسيطر "المحافظون" على البرلمان الحالي وينظر المراقبون للانتخابات التشريعية على أنها انتخابات تمهيدية للانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها عام 2009، والتي يُعتقد أن لدى الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد حظوظاً كبيرة بالفوز فيها، ومن ثم الحصول على ولاية رئاسية ثانية، لذا فلغة الخطاب السياسي الإيراني المتشدد ستتصاعد مع كل النجاحات السياسية على الساحة الخارجية أو الداخلية. ومن التطورات الداخلية والخارجية، يُلاحظ أن ثمة معادلة ما زالت مهيمنة على المشهد السياسي الإيراني تتمثل في تغليب الاعتبارات العقائدية على المصلحة الوطنية في ما يتعلق بعملية القرار السياسي داخلياً وخارجياً. لقد أمسكت طهران بحبال اللعبة السياسية، وتمكنت من اللعب على القرارات الدولية وأتقنت التملص الدبلوماسي من التزاماتها من ناحية، ولعبت بإتقان على التكتلات والأحلاف الدولية من ناحية أخرى، فتمكنت من تفسير الشكوك الدولية تجاه حقيقة برامجها النووية لصالحها، وأسهمت السياسات الدولية، وخاصة الأميركية، في دعم نفوذ طهران واستفرادها بميزان القوى في الخليج، فكانت إيران، وعلى الدوام، أكبر الرابحين في حروب لم تخضها بدءاً من حرب الخليج الثانية عام 1991 مروراً بحرب أفغانستان عام 2001 وحتى حرب العراق التي أسقطت حكومة عدوها اللدود صدام حسين عام 2003. سلسلة تصفية الأعداء بدأت بتحجيم خطر صدام حسين ثم اسقاط حكومة "طالبان" شرقاً ثم سقوط العراق بيد القوات الأميركية، والصعود الدامي لنجم الشيعة في العراق. وتأتي زيارة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد للعراق الأسبوع الماضي تتويجاً للنجاحات الإقليمية الإيرانية، فهي الأولى لرئيس إيراني منذ الثورة الإسلامية. زيارة لا يمكن إلا التوقف عندها والبحث في حيثياتها وانعكاساتها على الدول الرابضة على الضفة الأخرى من الخليج، التي تراقب وتترقب تطورات الأحداث في ميزان المصالح والخسائر الاستراتيجية. يقول الخبر الوارد من بلاد الرافدين إن رئيس إحدى دول "محور الشر"- حسب التوصيف الأميركي- يزور دولة هي واقعة عملياً تحت احتلال "الشيطان الأكبر"، ووسط شلالات الانتقادات المشتركة وعبارات التهديد، تأتي الزيارة بموافقة أميركية وبحماية أمنية للرئيس الضيف، هي ليست طرفة سياسية، بل مهزلة من مهازل هذا الزمن، ضحك إيراني- أميركي على الذقون العربية واللحى إنْ صح التعبير. كيف لا تقلق دول الخليج والتطورات السياسية كلها تصب في مصلحة إيران، فزيارة الرئيس الإيراني أُعلن عنها بكل وضوح حيث تم استقبال الرئيس الإيراني بمراسم استقبال رسمية وحفاوة واضحتين اعتبرها المسؤولون من الجانبين، العراقي والإيراني، صفحة جديدة في العلاقات الثنائية. ومن بغداد دعا نجاد إلى رحيل القوات الأجنبية من المنطقة قائلاً "يجب ألا تتدخل القوى العظمى في شؤون المنطقة" وأضاف: "من دون وجود قوات أجنبية ستعيش المنطقة بسلام وأخوة". أي فتح المجال للسيطرة الإيرانية، في حال انسحاب الشريك الأميركي الضامن الحالي لأمن الخليج واللاعب الرئيسي في العراق، فلعبة التوازنات والمصالح التي تجري في العراق تستثني اللاعب الخليجي. منذ البداية دخلت إيران في لعبة الصراع والاستفراد بالمشهد السياسي العراقي من خلال دعم اللاعبين الرئيسيين والمؤثرين، فدعمت الأحزاب الشيعية في اللعبة السياسية، حتى أصبح لها موطئ قدم في المستقبل السياسي للعراق الحديث، وجنت ثمار السياسات الأميركية بإسقاط صدام وبدعم الطائفية في بلاد الرافدين. وفي حال قررت الولايات المتحدة الانسحاب من العراق لأسباب أميركية داخلية، ستكون الفرصة مواتية أكثر وأكثر لإيران لملء فراغ النفوذ الأمني عراقياً وخليجياً، فطهران تدرك مقدار الورطة التي تعانيها القوات الأميركية في العراق، إضافة إلى أن تقرير الاستخبارات الأميركية قد صب في مصلحة النظام الإيراني، حيث خلص إلى تعزيز الشكوك في أن إيران لا تتجه إلى تطوير قدراتها النووية لأغراض عسكرية مورداً أن إيران كانت لديها خطة لتطوير قنبلة نووية، لكنها أوقفتها عام 2003 كما تضمن التقرير تذكيراً مهما:"نجهل ما إذا كانت إيران تنوي حالياً تطوير سلاح نووي." لقد تعاظم النفوذ الإيراني في العراق منذ سقوط صدام حسين معتمداً على الروابط التاريخية والمذهبية، وليس جديداً القول بأن واشنطن تدرك اليوم حجم وقوة النفوذ الإيراني في العراق، بينما لدى بغداد يقين بأن معادلات التاريخ والجغرافيا تصب لمصلحة طهران لا واشنطن، فكان ولابد أن تتقوى العلاقات وتترابط المصالح. توجه الدول الخليجية علاقاتها مع الشريك الخليجي الإيراني بنوع من الحذر لا تخفيه الابتسامات والزيارات، فلدول الخليج مصالح يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار عند عقد صفقات سرية أو تحالفات استراتيجية، وللدول الخليجية مصالح ومصالح مشتركة في دعم استقرار الخليج، فيما تلعب طهران أدواراً إقليمية تتجاوز مقدراتها الواقعية، وتتعارض مع أرقام الاقتصاد الإيراني. تعاظمُ الدور الإيراني خليجياً يأتي على حساب اللاعبين الإقليميين؛ فالعراق سقط من لعبة توازن القوى الإقليمية، ولا يُنتظر أن يشهد هذا البلد نهوضاً في السنوات العشر القادمة، بينما تشهد الساحة الخليجية استقطاباً بين أطراف مجلس التعاون حول التعاطي مع الملف الإيراني، وحول مساعي الهيمنة الإيرانية على الخليج، وحول ما يتعلق بمواجهة الخطاب الإيراني المتشدد ولغة التصريحات التصادمية، حتى عند حضور الرئيس الإيراني للقمة الخليجية، بينما تظل الدول الخليجية في دوامة الإرهاب وعدم الاستقرار. خلاصة القول إن دول الخليج العربية أكبر الخاسرين في كل الصفقات ولا يمكن تغيير الحقائق الآخذة بالتشكل، وليس مفاجئاً القول بأن إيران هي القوة الإقليمية الدولية وبلا منازع يذكر.