كنت قد نشرتُ قبل عدة أسابيع, وقبل "محرقة" إسرائيل في غزة, مقالة اقترحتُ فيها على الرئيس الفلسطيني محمود عباس كسر جمود الانشقاق الفلسطيني بالمبادرة ليس فقط بزيارة غزة بل والعودة الدورية إليها, وإدارة الشؤون الفلسطينية والرئاسية من المنتدى بين الحين والآخر. قلت في تلك المقالة إنه ليس شرطاً في البداية أن تعني هذه الزيارة أي مصالحة "تبويس لحى" بين "فتح" و"حماس" للملمة كيانيْ الضفة الغربية وقطاع غزة, بل إن أهم وظيفة فورية وملحة تتضمنها هي التأكيد والإصرار على التواصل العضوي والسياسي بين الضفة الغربية وقطاع غزة. وليس أوْقع من أن تُدار شؤون الرئاسة الفلسطينية برمتها, حكومياً ودبلوماسياً, وبشكل دوري مرة من المقاطعة في رام الله ومرة من المنتدى في غزة, فمثل هذه الممارسة والإصرار عليها الآن هو الذي يشد الجغرافيا والديموغرافيا الفلسطينية إلى بعضهما بعضاً ويوقف المزيد من التدهور والانشقاق. ستكون هناك صعوبات لوجستية وتنظيمية وأمنية في تنفيذ مثل هذه الخطوة لكنها ليست بالمستحيلة ولا ببالغة الصعوبة. كما أعتقد أن "حماس" سترحب بها حتى لو لم تأتِ في أي سياق تصالحي في بدايتها. وربما أنه في المرحلة الأولى يجب فصل مثل هذه الخطوة وتواصل عمل الرئاسة الفلسطينية من غزة عن ملف الخلاف الفتحاوي الحمساوي, ومرة أخرى لأن الغاية من تواصل ذلك العمل أعمق وأهم في اللحظة الراهنة. ويوم أمس سررت لقراءة مقالة للصديق (الوزير السابق) صبري صيدم بالعربية والإنجليزية بعنوان "ماذا لو ذهب الرئيس عباس إلى غزة؟" تحمل نفس الدعوة. يقول صيدم, محقاً, إن كثيرين سوف ينظرون إلى مثل هذا الطرح على أنه مثالي وحالم وسوى ذلك, لكنه يدافع بأن خطوة كهذه تظل في إطار الواقعي والممكن بل والمطلوب والملح وطنياً. ويضيف أيضاً إن هذا الطرح "... يأتي ليقفز خارج دائرة توقعات الماكينة العسكرية والسياسية الإسرائيلية التي تبني تحركاتها على السيكولوجيا الفلسطينية وما تتوقعه من ردود أفعالنا. هذه الماكينة لا تؤمن بقفزات دراماتيكية فلسطينية، وإنما تستفيد من عواطفنا التي لا تحتاج إلى الكثير من الشحن لتثور مكونة مواقف لا ينقصها لا الحدية ولا التهور. وهذه الماكينة ذاتها التي تستغل اليوم الخلاف الجدلي بين حركتي حماس وفتح. لهذا فالمطروح في صلب هذا السؤال هو ما إذا كان الرئيس عباس يستطيع بلورة قفزة دراماتيكية واختصار العمر الزمني للسجال الداخلي، والذي ربما ينتهي بحوار في إحدى عواصم الخير العربية...". وهذه النقطة التي يشير إليها صيدم, بالإضافة إلى بقية ما ورد في مقالته, هي في غاية الأهمية: وتتلخص في كلمة "الإمساك بزمام المبادرة" والقيام بها وعدم انتظار المجهول. فالإشكالية العميقة والمركبة في صناعة السياسة ليس فلسطينياً فحسب بل وعربيا أيضاً هي في الاقتصار على ردود الفعل وانتظار المبادرات من الأطراف الأخرى (إسرائيل, الولايات المتحدة, الاتحاد الأوروبي, وحديثاً إيران, أو حتى تركيا...). من فلسطين إلى العراق إلى لبنان إلى دارفور السودان ووصولاً إلى الصحراء الغربية في المغرب فإن ديدن السياسة العربية هو انتظار ما قد يقوم به الآخرون من مبادرات ثم صوغ رد الفعل, وأحياناً المتأخر. والثمن الباهظ الذي ندفعه دائماً بسبب تلك السياسة وتأخرها ما صار بالإمكان تحمله, فقد تراكمت الخسائر على خسائر. فلسطينياً خسارتنا بالانشقاق والخلاف الحمساوي الفتحاوي أكبر بكثير من طاقة المشروع الوطني الفلسطيني على التحمل. فهذا المشروع, وقبل الانشقاق بكثير, واجه ويواجه غطرسة وطغياناً متواصلين من قبل التوحش الإسرائيلي على كل الجبهات: الاستيطانية, التهويدية المقدسية, الجدرانية, السكانية... الخ. والاستراتيجية الإسرائيلية التقليدية والناجحة خلقت وما تزال تخلق وقائع جديدة تكون هي المنطلقات لأي مرحلة جديدة تفاوضية أو صراعية مع الفلسطينيين. ولا يهمها أن تُدان من هنا أو هناك على هذا الموقف أو ذاك. ولم يكن في المقدور الفلسطيني إيقاف التوغل الإسرائيلي ذاك في وقت ما قبل الانشقاق ناهيك عن المرحلة التي تلته. إن الوضع الراهن وكما لا يخفى على أي مراقب ومحلل لمكوناته الانشقاقية الضفاوية الغزاوية يخدم قلب الاستراتيجية الإسرائيلية في تذريَّة وتفتيت الجبهة الفلسطينية. والحفاظ عليه هو مصلحة إسرائيلية عليا, حتى رغم كل الضربات العسكرية ضد قطاع غزة و"حماس". والذي يُراد له أن يستمر هو وضع انشقاقي لكنه متهالك بحيث لا يشكل أي خطر من جهة, ومن جهة أخرى يُبقي على الانقسام الرأسي قائماً. والمشكلة الكبرى التي يواجهها الشعب الفلسطيني هي أن التصلب الفئوي والحزبي والفصائلي المسيطر على السياسة الفلسطينية الحالية لا يعمل سوى على تكريس الوضع الانفصالي. والذين ينفون من احتمالية استمراره طويلاً أو يقللون من التحذير من مخاطر فعل مرور الوقت على ترسيخه فإن عليهم أن ينظروا إلى الحالات الشبيهة في العالم حولهم. كل حالات الانقسام الوطني التي آلت إلى قيام كيانات منفصلة أولاً، ثم متخاصمة ثانياً، بدأت بحوادث بسيطة أو تافهة ولم يكن يتوقع أحد أن تستمر عقوداً طويلة وتخلق وقائع عنيدة وعصية على التغيير. هل ستغير زيارة أو زيارات للرئيس "أبو مازن" لقطاع غزة من الوضع القائم؟ طبعاً ستغير. وستعمل أولاً على بث روح الأمل بالعودة إلى الوحدة العضوية بين القطاع والضفة الغربية، وترفع معنويات الشعب الفلسطيني التي هي في الحضيض الآن. عندما يتحدث الرئيس الفلسطيني من مستشفى الشفاء وهو يزور جرحى "المحرقة" الإسرائيلية في غزة فإن ذلك سيخلق مشاعر فلسطينية متضامنة صار الجميع بحاجة إليها. وفيها أيضاً رسالة بل رسائل عديدة جداً كلها إيجابية، وكلها تهدف إلى تقليل الهوة الفاصلة الآن. وهي أيضاً ليست محصورة بما يمكن أن تفعله على مستوى الشعور الفلسطيني والعاطفي العام, بل أيضاً خطوة عملية وبراغماتية, ومرتبطة بأي تصور مستقبلي قريب أو متوسط المدى لأي حل من الحلول. فحتى بمعايير ومنطلقات مؤتمر "أنابوليس" ومفاوضاته السلحفائية، والتواضع الشديد, إن لم نقل الصفري, الذي وصل إليه الطرفان, كيف يمكن تصور حل أو رُبع حل من دون إدراج قطاع غزة ومستقبله فيه؟ من الذي يقدم الإجابة على سؤال المليون دولار ويقول لنا: كيف يمكن تطبيق -على قطاع غزة في ظل الانقسام- أي اتفاق يمكن الوصول إليه, افتراضاً, بين "أبو مازن" وأولمرت في المفاوضات؟ هناك هروب إلى الأمام من هذا السؤال، ومن مجموعة من الأسئلة الصعبة الأخرى, وهو هروب يعمق صعوبة الأسئلة ولا يحلها. لن يخسر "أبو مازن" شيئاً بل سيربح الكثير أمام شعبه وأمام العالم لو بادر الآن باعتماد جدول زمني لتواجده في قطاع غزة. ولن تخسر "حماس" شيئاً عندما تخلق الأجواء المساعدة لتنفيذ مثل هذا الأمر, فهي الأخرى ستربح أمام شعبها, لأن رمزية الإدارة السياسية من المنتدى والمقاطعة تؤكد على الوحدة الضفاوية الغزاوية وعلى وجود إرادة جادة بعدم ترك مفردات الوضع القائم هي التي تسير السياسة وتتحكم في "فتح" و"حماس" معاً.