أحد بنود جدول أعمال القمة العربية التي عُقدت في الرياض قبل عام من الآن، كان التعليم في الوطن العربي وسُبل النهوض به من حالة التردي التي تظهر في هذا الكم الكبير من أشباه الأميين والذين يُدفع بهم سنوياً إلى سوق العمل العربي. وأعطى معالي أمين عام الجامعة العربية ملخصاً عن وضع التعليم في عالمه الواقع بين المحيط والمحيط بأنه.. "زفت"!. الزفت هذا طُلبَ من الأمين العام رفع تقرير عن إزالة لزُوجته وسواده ورائحته النفاذة في مؤتمر القمة التالي لقمة الرياض، وللأسف فقد انشغل الأمين بعدة قضايا لا نملُّ من تسميتها عادةً بأنها: حساسة.. وخطيرة.. ومفصلية. -مثلاً، قضايا الصراع بين "حماس" و"فتح" على أي المباني تُرفع أعلام الفصيلين؟! هموم مثل حرب القبائل العربية والزنجية في دارفور، مشاغل تدبير رواتب العاملين في أمانة الجامعة العربية، الانغماس في المشكلة الأزلية التي لا يبدو لها حل، ونعني بها قضية العرب الأولى (فلسطين). بالإضافة إلى كل هذه (المحبطات) هناك قضايا عالقة منذ عقود تنتظر الفرج القدري مثل مشكلة الصحراء الغربية، ومشاكل الحدود، والقلوب المليئة بالبغض بين هذه الدولة العربية أو تلك، وإن أُضيف على كل ما سبق الوضع في العراق، كان أمام الأمين العام مزيج من الهموم السُّمية التي تفتك بخلايا الجسم العربي المتمثل في جامعة العرب العتيدة. على طاولة الأمين العام المتراكمة ملفات معوِّقات العمل العربي المشترك، وملفات أخرى تتعلق بتطوير مُفترض مُعلق لمناحي الحياة الاجتماعية والثقافية والتعليمية والاقتصادية العربية. وعلى نفس الطاولة التي لزجت من كثرة "الزفت" وُضع ملف مُضحك مُبكٍ.. ألا وهو حل مشكلة الرئاسة في لبنان، وهي مشكلة دفعها إلى سطح اهتمامات أمانة جامعتنا فيضان التناقضات السياسية في الوطن العربي. أمضى الأمين العام للجامعة العربية الكثير من الوقت كان مخصصاً أساساً لكتابة ما تحقق خلال سنة الانعقاد السابقة وخاصةً في الشؤون غير السياسية، أمضى ذاك الوقت في السفر والترحال من وإلى بيروت، وهناك -على ما يبدو- وجد الأمين مصاعب لم يجد مثلها في كل ملفات (القطران العربي) التي تتكاثر يوماً بعد يوم على مكتبه، فالقضية الفلسطينية واضحة المعالم: مستعمِرٌ مغتصِب أمام أصحاب حقوق، و"حماس" ضد "فتح"، والقضية العراقية هي بين مُحتل ومحتلين، وبين مذاهب تُشهر عداءها البيني منذ مئات السنين وحتى الآن. ومشكلة الصحراء الغربية من البساطة معرفة أطراف صراعها، لكن المشكلة اللبنانية نادرة في تعقيداتها. هل ممكن تخيل أميننا العام، وهو يقضي عشر ساعات من المباحثات المتواصلة بين الفرقاء اللبنانيين الأصليين -أو بالوكالة- ليفك عقدة 10+ 10+ 10، تلك المعادلة التي تعني عشرة وزراء للأكثرية وعشرة وزراء للمعارضة، وعشرة وزراء للرئيس العتيد الذي لم يُنتخب بعد؟! وإن هو حاول أن يؤجل حل عقدة 10+ 10+ 10 سيجد أن الذي بعد ذلك أكثر صعوبة، فالمشكلة بدلاً أن تصبح ل+ ل.. أي لبنانية- لبنانية، تحولت إلى س+ س.. أي بين دولتين عربيتين يبدأ اسماهما بحرف السين! وبين تلك العُقد هناك معضلة المُثالثة، أو الثلث المعطِّل، وقانون الانتخاب الجديد، ووزراء السيادة وسلاح المقاومة، مع عدم نسيان قانون المحكمة الدولية والجرائم الأخرى ذات الصلة. في هذه الأثناء والجهد يُبذل في بيروت وما حولها للجمع بين زعماء القبائل اللبنانية، سيهمس بالتأكيد مستشارو الأمين العام في أذنه بأن ملفات أخرى تنتظر الانكباب عليها في القاهرة تمهيداً لتأجيلها مرة أخرى في الدورة القادمة للقمة! لكن 10+ 10+ 10 ستكون قد أخذت كل جهد الرجل الصبور والمتفائل، وفي الأخير سيقرر السفر عائداً من العشرة آلاف كيلومتر والمملوءةِ سلاحاً ونزاعاً وتدخلاً دولياً وإقليمياً، يعود وهو لم يحل العقدة الرياضية اللبنانية، ولم يستطع فك رموز الشفرات المتتالية التي سمعها هناك. هناك اقتراح بسيط يا ليت الأستاذ عمرو موسى يأخذه على محمل الجد، فهو المنقذ للجامعة -أي الاقتراح- وما تمثل، أمام كل هذه التحديات والإصرار العربي في إيذاء النفس وتخريب الأوطان وتشتيت الكلمة: اقتراحي هو تحويل الجامعة العربية إلى هيئة تبحث فقط في الشأن الاقتصادي والتربوي والاجتماعي العربي، ولتبتعد عن لعب أي دور سياسي لا بين العرب وجيرانهم المتربصين بهم، ولا بين العرب أنفسهم؛ هذه المحاولات في مقاومة الغزاة القدامى ومشاريع الغزاة الجدد وفرد العضلات من قِبل المحيط حولنا، لن تنفع من خلال تجارب سابقة يعرفها الأمين العام بالتأكيد. والمحاولات الأخرى في فض نزاعات ع+ ع.. أي العربية- العربية لن تكون مثمرة على الإطلاق، وذلك بناءً على وقائع الماضي والحاضر وتوقعات المستقبل، لتحاول هذه الهيئة بعد تغيير مسمَّاها ونشاطها بدلاً من الجهد الضائع السابق، توحيد العرب من خلال سوق اقتصادية مشتركة وإقامة تكامل صناعي، والتخطيط لمشاريع زراعية تجمع بين المال العربي والمياه والأرض التي يشرب منها ويقيم عليها أبناء العرب العاربة والمستعربة. بدلاً من المستشارين السياسيين الذين سيُعطون تقاعداً مبكراً، دعنا يا أميننا نُحلُ بدلاً منهم مستشارين تربويين واجتماعيين ونفسانيين واقتصاديين، ذلك أجدى كثيراً من الجلوس على طاولة مربَّعة أو بيضاوية أو مستديرة لجمع زعيم لمليشيا عربية قرر سلفاً إشعال حرب داخلية في بلاده، أو رئيس لحزب يستشير في كل خطوة سياسية حتى ولو كانت النشيد الخاص بحزبه.. بلاد ما وراء الحدود! ما لم يدرس الأمين العام مثل هذا الاقتراح الشخصي والاقتراحات الأخرى المشابهة، فعليه -وعلينا- الانتظار طويلاً ولوقت غير محدد، التشكيل الوزاري اللبناني والمعلق فقط -كما يقولون- على زيادة حصة واحدة من حصص متنازعي 10+ 10+ 10!