في اليوبيل الذهبي لمجلة "العربي"، التقى العديد من كبار المفكرين والمثقفين العرب للحديث عن الأوضاع المؤلمة للغة العربية! "ترى هل كان يخطر ببال أسرة مجلة العربي يوم تأسست منذ نصف قرن -ولو على سبيل الشك المنهجي- أن يأتي زمن تشكو فيه اللغة العربية ظلم أبنائها عليها أكثر مما تشكو ظلم خصومها وجور أعدائها من الأجانب والأغراب"؟... بهذه الافتتاحية المريرة، بدأ الباحث د. عبدالسلام المسدي حديثه عن صراع الفصحى والعامية عبر وسائل الإعلام. ثم قال: "في فرنسا الآن -ومنذ عام 1996- تنظيم تربوي فيه من الغرابة ما لا يترك شكاً في النوايا الحضارية المتوارية، وهذا التنظيم يخص تراتيب شهادة الثانوية العامة، وبخاصة اختيار لغة يتعين على كل مرشح أن يختارها من بين لغات عديدة منها الألمانية والإنجليزية والعربية. أما التشريع الجديد، فقد "أدخل اللهجات العربية ضمن اللغات التي يمكن اختيارها، بل أصبح أبناء الجالية العربية يجتازون بالتوازي اختباراً في اللغة الفصحى واختباراً في اللهجة بحسب ثلاث مجموعات إقليمية: المجموعة المغربية والمجموعة المصرية والمجموعة الشامية، اختبارات اللغة العربية الفصحى اختبارات شفوية، والاختبارات في اللهجة اختبارات كتابية"! أما شكوى الباحث المعروف، د. جابر عصفور، فتظهر عمق الجرح اللغوي في الواقع العربي المعاصر: "أذكرُ، مثلاً، مظاهرات قام بها طلبة الأزهر، وكانت هذه المظاهرات احتجاجاً على نشر رواية "وليمة لأعشاب البحر" التي نشرتها وزارة الثقافة والإعلام، واتُّهِمَتْ بأنها تشجع على الكفر والإلحاد بنشر هذه الرواية، وقد دافعت وزارة الثقافة عن نفسها في ذلك الوقت، وأوضحت حقيقة الأمر، لكن ما كان يشغلني أكثر ويلفت اهتمامي، هو اللغة التي كتبت بها البيانات التي وزعها الطلبة الأزهريون، لأنها كانت بالغة الركاكة والغرابة، ولا يليق بطلاب الجامعة الأزهرية الذين ينبغي أن يحسنوا من شؤون الدين وعلومه ما يحسنونه من علوم اللغة وأصولها، ويعني ذلك أن انهيار التعليم اللغوي في الأزهر علامة بالغة الأهمية على انهيار اللغة وتعليمها". وفي الكويت، تأكيداً لملاحظة د. عصفور، رفع بعض المعتصمين بالجامعة لوحة احتجاج، تبدأ بخطأ إملائي فاحش، حيث تبين أن الطلبة لا يفرقون بين التاء المربوطة والتاء المفتوحة! فما حدث في مصر تكرر في الكويت. بل سَرَت هذه الأخطاء اللغوية في كل الأحاديث والمراسلات والمقالات والكتب وأسماء المحلات التجارية، وربما حتى في الإعلانات وتعليمات المرور. لم تعد الخطابة السياسية- يشتكي د. عصفور- نموذجاً للسلامة اللغوية والفصاحة الأسلوبية، كما كان يحدث في جيل الليبراليين والساسة الكبار، بل غدت الخطب نموذجاً للركاكة وخلل الأداء اللغوي وهيمنة العامية! حتى في الحياة الجامعية، "غلبت العامية وفشت الأخطاء النحوية والإملائية والأسلوبية في الرسائل العلمية والكتب الجامعية، وشاع اللحن في خطاب الأساتذة والأستاذات، حتى أولئك الذين ينتسبون إلى أقسام اللغة العربية ومعاهدها وكلياتها". وأقول تعقيباً على شكوى د. عصفور: من عجب حقاً أن يحدث كل هذا الانحدار في اللغة العربية في ظل "صحوة دينية" شاملة، ونشاط واسع للإسلام السياسي واتساع نطاق "الفضائيات الإسلامية"! بل إن الكثير من أتباع هذه الجماعات لا يعانون من ضعف اللغة فحسب، بل ويجهلون الشيء الكثير عن الثقافة العربية والتاريخ الإسلامي. بالطبع، إلا في الحدود التي تخدم مقاصدهم الوعظية! ويرى د. المسدي أن معركة اللغة العربية الآن تجري على ساحات ثلاث متداخلة، "الدائرة الأولى هي دائرة الثقافة، والثانية دائرة الإعلام، والثالثة الساحة التعليمية". ولكن إلى أي مدى تطور تعليم اللغة العربية لأبنائها وللأجانب؟ فهناك كما نقرأ ونسمع الكثير من الاهتمام الخارجي بتعليم اللغة العربية، وبخاصة في الولايات المتحدة، حيث يتزايد عدد الطلبة الذين يتعلمونها. ومن هنا، يرى د. عصفور أن الخطوة الأولى في علاج أزمة العرب مع لغتهم، هي تحديث برامج التعليم. يقول:"أعرف مثلاً أن تعلم اللغة الإنجليزية له درجات ومستويات، ويمكن أن يتم في شهر لمن لا يعرف اللغة الإنجليزية، ويمكن أن يتم في شهرين أو ثلاثة، وذلك بقدر هائل من المرونة والتقدم والمتابعة المستمرة لروح العصر ومتغيراته، بينما لا نزال نحن، إلى اليوم، لا نملك برامج تعليمية حديثة متطورة تستجيب إلى حاجات الناس في تعلم اللغة العربية". وقد نضيف مؤيدين لهذه الملاحظة من الأستاذ الفاضل: هل نملك مثلاً للغة العربية اختباراً مثل "التوفيل"، الاختبار الشامل للغة الإنجليزية الحديثة، الذي يعقد بانتظام في أماكن مختلفة داخل الولايات المتحدة وخارجها، والذي لابد من اجتيازه بدرجات معينة تمهيداً لقبول أي طالب أجنبي في الجامعات الأميركية؟ وتحتوي "وصفة" د. جابر عصفور الطبية لتطوير اللغة العربية، إلى جانب ضرورة تحديث تعليمها، ضرورة المرونة في قبول المفردات والتراكيب الجديدة والتحديث المستمر للمعاجم العربية الحديثة. وينتقل حديثنا بهذه المناسبة، وشكوى د. عصفور وغيره، إلى تقرير نُشر مؤخراً عن واقع "مجمع اللغة العربية" في مصر، حيث وصفه تقرير كتبه مراسل صحيفة "القبس" الكويتية، نقلاً عن مثقفين مصريين، بـ"القلعة المغلقة"! يقول د. شادي صلاح الدين في هذا التقرير:"فيما يستعد مجمع اللغة العربية بالقاهرة لإقامة مؤتمره السنوي الرابع والسبعين في الفترة من 21/4/2008 إلى 5/5/2008، تحت عنوان (اللغة العربية وتحديات العصر)، يعتزم عدد من المثقفين إثارة ما حدث بالانتخابات الأخيرة لاختيار أعضاء جدد بمجمع اللغة العربية بالقاهرة، والتي عكست أزمة المجمع في عدم القدرة على تجديد دمه باختيار أعضاء جدد، تلك القلعة المغلقة التي يتحكم بها عدد قليل من الأعضاء، بعد أن دخلوا المجمع ذات يوم، ثم قرروا إغلاق الباب على أنفسهم. فعلى الرغم من ترشيح 55 مفكراً من النخبة المصرية لاختيار عشرة أعضاء، فإنه لم يفز منهم سوى أستاذ النقد بدار العلوم الدكتور محمد أحمد فتوح وأستاذ النقد بالجامعة الأميركية د. محمود الربيعي. وكان الخمسة والخمسون مرشحاً قد تقدموا لشغل عشرة مقاعد خلت في عضوية المجمع، وجرت عملية التصويت حيث فشل عدد من نخبة المفكرين والعلماء".(القبس الكويتية، 24/12/2007). ومن يتصفح "المعجم الوسيط" اليوم، مقارناً إياه بمعجم حديث للغة الإنجليزية أو الفرنسية والألمانية، يلاحظ الفوارق الكبيرة في مستوى الطباعة وجودة الصور وحداثة الإعداد القاموسي وغير ذلك. ولا ينبغي بالطبع أن نظلم مجمع اللغة العربية، وأن نحمله ما لا طاقة له به، فإعداد المعاجم لم يعد جهداً فردياً، والقاموس ليس مجرد كتاب، فكما قال واضع أول قاموس إنجليزي، الدكتور جونسون "يتوق كل من يؤلف كتاباً إلى المديح، أما من يصنِّف قاموساً فحسبه أن ينجو من اللوم"! فالحاجة ماسة إلى مؤسسة حديثة قد تكون تحت إشراف الدول العربية أو حتى شركة مساهمة، تتولى متابعة تطور اللغة الغربية داخل العالم العربي وخارجه، وتصدر سلسلة قواميس عربية موسعة جداً ومتوسطة ومختصرة، وتضيف الكلمات الجديدة إلى الطبعات اللاحقة، وتصدر القواميس ثنائية اللغة وربما تنظم الندوات اللغوية وغير ذلك. ولا بد للقاموس العربي أن يكون عصرياً بمعنى الكلمة، فلا يُحشى بالكلمات المهجورة والتعبيرات القديمة والأوصاف التي تهين المرأة وذوي العاهات وغيرهم. وتخصص المساحة قدر المستطاع لنماذج الاستخدام الحديث، والمترادفات والمتضادات، وحتى بعض الكلمات من مختلف اللهجات العربية إن دخلت مجال الإعلام وأصبحت ضمن العربية المحكية، ويُشار إليها بعلامة تميز مصدرها، كما هو الأمر في القواميس الإنجليزية التي تتضمن أحياناً كثيرة كلمات لا تعد من "الإنجليزية الفصحى" أو الرسمية Standard English. أما الكلمات القاموسية الموروثة، وكل شاردة وواردة من التراث اللغوي القديم، فيمكن الاكتفاء بالقواميس المعروفة، مثل "لسان العرب" و"تاج العروس" و"أساس البلاغة" و"المخصص"، أو تأليف قواميس جديدة تعيد ترتيب وتنظيم هذه المراجع. والآن وقد قيل ما قيل في يوبيل مجلة العربي، ونادى المنادون بضرورة تحديث اللغة العربية وأدواتها، لننتظر ردود الفعل العملية.. خلال السنوات القادمة!