التصريح الذي أطلقه "فلنائي"، نائب وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبوع الماضي، والذي هدد فيه صراحة بأن قطاع غزة سيتعرض لمحرقة رداً على إطلاق الصواريخ على البلدات الإسرائيلية جاء صادماً. لم تكن الصدمة ناتجة عن الأساليب الوحشية التي تستخدمها إسرائيل ضد المدنيين، فلقد خبر العالم تكرار المذابح التي يرتكبها العسكريون الإسرائيليون بدم بارد ضد المواطنين العزل بدءاً من مذبحة دير ياسين. الصدمة جاءت نتيجة لمجاهرة مسؤول رسمي إسرائيلي بنيته وعزم حكومته على محاكاة جرائم النازية ضد اليهود في الحرب العالمية الثانية، وهي جرائم الإبادة العنصرية الجماعية في أفران الغاز وفي غيرها من المحارق البشرية. عادة كانت العناصر الرسمية الإسرائيلية تحاول التملص من المسؤولية عن جرائم الحرب والمذابح التي ترتكب ضد المدنيين العرب، لكننا هذه المرة نواجه سبق إصرار وتعمدا ومجاهرة بالعزم على إبادة سكان قطاع غزة. مصطلح "الهولوكوست" والذي يشير إلى جرائم النازية يتساوى من حيث الدلالة والمعنى مع مصطلح "هشوءاه" بالعبرية، وإنْ كان المصطلح الأول يعني في اليونانية محرقة، والثاني يعني في العبرية نكبة، غير أن المصطلحين أصبحا يشيران إلى جرائم الإبادة النازية. لقد تسبب نائب وزير الدفاع الإسرائيلي في إحساس بالصدمة لدى بعض الكتاب والسياسيين الإسرائيليين، ومن هنا فقد أنكروا عليه تهديد الفلسطينيين بمحرقة على غرار المحارق النازية. إنني أعتقد أن هؤلاء قد انزعجوا عندما اكتشفوا أن تصريح "فلنائي" جاء بمثابة مرآة يظهر فيها الوجه القبيح للسلوك العسكري الإسرائيلي وللعقيدة الكامنة وراءه دون رتوش أو مساحيق أو أعذار. لقد وضع "فلنائي" جميع الأعذار وأشكال الإنكار والتهرب من المسؤولية عن سلسلة المذابح ضد المدنيين العرب في خانة الكذب الصريح، وواجه الإسرائيليين بالحقيقة التي يحاولون إخفاءها أحياناً بوعي وأحياناً أخرى بغير وعي ليضفوا على جرائمهم العسكرية صفة زائفة هي صفة الدفاع عن النفس، ولينفوا عن أنفسهم صورة الجلاد الوحشي المتجرد من المشاعر الإنسانية وهو يمزق ضحاياه البشرية إلى أشلاء. وبنهاية الستينيات، وضعنا نحن الباحثين العرب، المعنيين بدراسة الشخصية الإسرائيلية، أيدينا مبكراً على خاصة تميز الشخصية القومية الإسرائيلية، وهي مركب الخوف والعدوان، في هذا المركب يمتزج العدوان بمشاعر الخوف اليهودي الموروثة عن تجارب الاضطهاد الذي أنزلته أوروبا المسيحية باليهود سواء في العصور الوسطى أو في القرن التاسع عشر أو في الحرب العالمية الثانية. وغني عن البيان أن هذا الاضطهاد الأوروبي لليهود كان يأخذ أحياناً أشكال المذابح الجماعية والتنكيل وصولاً إلى المحارق النازية. لقد جاءت الصهيونية لتدعو اليهود إلى مغادرة أوروبا الضارية والتجمع في فلسطين، وكان أحد أهم أركان الدعوة الصهيونية ممثلاً في ضرورة تحول اليهودي من شخصية خانعة خائفة خاضعة للجلاد الأوروبي إلى شخصية مقاتلة تبادر إلى القتل حتى لا تتعرض هي للقتل. لقد وجد الصهاينة في الشعب الفلسطيني الأعزل الضحية المطلوبة التي يمكن التسلي بإطلاق النار عليها دون التعرض للوم دولي فعال ودون إحساس داخلي بالذنب يفقد القاتل إحساسه بأنه إنسان أو يدفعه إلى كراهية نفسه أو سلوكه. من هنا كان مركب الخوف والعدوان يعمل في تناغم داخل الشخصية الإسرائيلية أو اليهودية الجديدة. لقد كان أستاذنا الدكتور "مصطفى زيور" أحد أقطاب علم النفس في الجامعات العربية والتلميذ المباشر لـ"فرويد"، أول من شخّص المرض الذي تعانيه الشخصية القومية الإسرائيلية باعتباره مرض التوحد بالمعتدي. إنه مرض يجد فيه الشخص الذي يعاني الاضطهاد والعذاب على يد جلاد متوحش قاس نفسه في حالة من الكراهية للجلاد كشخص وفي الوقت ذاته يجد نفسه في حالة إعجاب بسلوك الجلاد المعتدي. إنها حالة مرضية تدفع المصاب بها إلى التوحد بسلوك المعتدي ومحاكاته في أول فرصة تتاح لذلك بدلاً من استهجان السلوك ورفضه. من هنا يأتي تصريح نائب وزير الدفاع الإسرائيلي ليعترف صراحة بمرض التوحد بالمعتدي النازي.