نظم معهد البحرين للتنمية السياسية ندوة علمية حول ثقافة المواطنة في دول مجلس التعاون الخليجي في الأسبوع الماضي. وقُدمت أوراق عمل رصينة ومؤثرة في تلك الندوة التي استمرت يومين. كما التأمت طاولة مستديرة حاولت تلخيص ما دار من نقاشات حول أوراق العمل والخروج برؤى محددة لدعم ثقافة المواطنة. وكان أنْ عُرض فيلم قصير حوى آراء الناس البسطاء من مواطني دول مجلس التعاون حول المواطنة. والغريب أن كل الآراء لم تقترب من تعريف المواطنة التعريف الحقيقي. فمنهم من قال: إن المواطنة تعني حبي للوطن والولاء له، ومنهم من قال: إن المواطنة تعني استعدادي للتضحية بالروح في سبيل الوطن، وثمة من قال: إن المواطنة يجب أن تكون للمواطن وليس للأجنبي. هكذا إذن كان رأي الشارع البسيط في مسألة المواطنة. أما رأي النخب من الذين شاركوا في تلك الندوة المهمة، فقد كانت تخصصية ومنتقاة حسب تخصص المحاضرين. الدكتور علي فخرو رأى أن الانفتاح في العالم العربي ما زال انتقائياً وجزئياً وبتصرف من السلطة التنفيذية، مؤكداً على أن المواطنة مزيج من الحقوق السياسية-المدنية، وحقوق أخرى تتكون عبر التاريخ، على ألا نغفل العدالة؛ ذلك أن إغفال العدالة ينتقص من المواطنة الشيء الكثير ويجعلها عرضة للابتذال. الدكتورة بدرية العوضي -التي قدمت رأياً قانونياً محكماً- رأت أن مفهوم المواطنة هو انتماء الإنسان إلى أرض، حيث يستقر داخل الدولة أو يحمل جنسيتها ويكون مشاركاً في الحياة العامة. وألمحت إلى ضرورة أن تتساوى حقوق المواطنين مقابل التزامهم بالواجبات تجاه الدولة؛ دون تمييز على أساس الجنس أو اللون أو اللغة أو الأصل الاجتماعي. ودعت إلى محو الأمية القانونية في دول مجلس التعاون، ومراجعة القوانين الصادرة بحق المواطنين، وإجراء التعديلات المناسبة عليها، كي تتلاءم مع أحكام الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة. الدكتور محمد الرميحي ركز على ضرورة ضبط المفاهيم، وهي مشكلة ثقافية عربية، وأن دول الخليج فيها مظاهر العالم المتقدم ظاهرياً، وفي مخابئها مظاهر دول العالم الثالث. وهو الخطر الحقيقي الذي يهدد تلك الدول؛ مُحذراً من حرمان الأقليات من حقوقها أو انتقاص تلك الحقوق، مضيفاً أنه ينبغي تجنب الازدواجية بين النصوص. وربط الدكتور باقر النجار مجتمع المواطنة بالفضاءات الثقافية والسياسية والاجتماعية؛ داعياً إلى التنازل الطوعي بين الجماعات عن انتماءاتها الجانبية، مقابل الانتماء الوطني الذي يشمل كل أعضاء المجتمع؛ وهو ما يمكن أن يؤسس لثقافة المواطنة. ورأى الدكتور محمد الأحمري أن هناك حاجة فطرية روحية واجتماعية لصناعة مفاهيم للعلاقة بين الإنسان والمحيط، وأن من العوائق الأساسية التي تعترض تطبيق المواطنة أو تحديد ثقافتها، الثقافة العابرة للوطنيات مثل: مفهوم الأمة، كالأمة الإسلامية والأمة العربية، ومفاهيم مختزلة للوطنيات: كالحكومة المحلية والقبيلة والحزب. وكان رأينا فيما يتعلق بعلاقة التعليم والإعلام في المواطنة، أن التعليم والإعلام يدعمان ويروجان للوطنية، ويحاولان تأكيدها داخل المجتمع، في حين لا يقتربان من المواطنة، التي هي الأهم في حياة الشعوب. وإن اجتزأت قليلاً من سيادة الدولة من أجل سعادة المواطن وتأكيد كرامته عبر العدالة في التعامل بالشأن العام. ولفتنا النظر إلى أن الوطنية هي انتساب للمكان وللنظام، أما المواطنة فهي علاقة بين الإنسان والدولة، أو النظام الذي يحكم المواطنين، والولاء للمجتمع والمساواة بين جميع المواطنين. نحن نعتقد، كما يرى العديد من زملائنا، أن مظلة الديمقراطية عامل حاسم في نشر ثقافة المواطنة. إذ أن إشكالية العلاقة بين الحكام والشعوب مازالت كما هي في نظر الدولة علاقة حاكم برعية، وهذا يخلق جيلاً يخضع للقانون السائد خضوعاً سلبياً. في المقابل لابد من تخليق جيل يخضع أيضاً للقانون ولكن بصورة إيجابية، ويساهم في تعديل هذا القانون أو الإشراف على تطبيقه التطبيق العادل. كما أن غياب مؤسسات المجتمع المدني -وهو أمر مُلح في دول مجلس التعاون الخليجي- يساهم في تأكيد الرؤية التقليدية المرفوضة (الحاكم والرعية) وابتلاع الحقوق، بل ويساهم في شيوع الانحيازات الفكرية والإثنية الضيقة. ولغياب الديمقراطية، نجد أن المواطنة مشوهة وغير واضحة المعالم؛ ذلك أن الديمقراطية هي التي تحقق العدالة في كل شيء، وترفع اليد الجائرة عن المظلومين أو منتقصي الحقوق. ونظراً لثراء دول الخليج فإن التوزيع العادل لكل شيء، ومنه الثروة، يعتبر أمراً مهماً في تأكيد المواطنة. وإشعار الفرد "المواطن" بالشراكة وانتمائه العضوي للمنطقة كجغرافيا وكنظام سياسي واجتماعي، لكننا نلاحظ أنه مع ازدياد مداخيل النفط (ثلاثة أضعاف سعره في الميزانيات قبل 5 أو 6 سنوات) يزداد التضخم، ويزداد أيضاً حجم الفقراء، مع ازدياد حجم الأغنياء. كما أن غياب الرقابة على الصرف يفاقم من المشكلة؛ وخصوصاً أن بعض الدساتير تنص على ضرورة تلك الرقابة، وقد اقترع عليها المواطنون بنسب عالية جداً. وحتى الديمقراطية المطبقة حالياً -في بعض دول الخليج- نجد أنها صراعات أقليات أو جماعات طائفية، وتوجد انقسامات داخل المجالس النيابية استناداً إلى الأيديولوجيات التي يمثلها النواب. وهنالك إشكاليات المناطق والتوافقات القبلية وغيرها. وتلك مظاهر تنتقص من الديمقراطية؛ وبالتالي تشوه المعاني السامية للمواطنة كعلاقة جوهرية بين الفرد ومجتمعه والدولة. وتشكل العولمة -بآثارها المتعددة- تحدياً حقيقياً للمواطنة من حيث ذوبان المجتمعات الخليجية وسط هذا النزوح الهادر من القوى العاملة الأجنبية إلى المنطقة، حيث تصل نسبة السكان المواطنين في بعض دول الخليج إلى 7% فقط من مجموع عدد السكان. وهذا من شأنه أن يقوض كل نظم التعليم والمنظومات القيمية والثقافية، وينحو بالإنسان إلى شخصية الإنسان العالمي أو العولمي. وهذا ما تسعى إليه العولمة، حيث تنتفي الخصوصيات والامتيازات داخل المجتمع، ويصبح العالم كله سكناً لأي إنسان دونما تركيز على القبيلة أو الإثنية أو القومية، ناهيك عن القرارات الدولية التي قد تلزم الدول بتلك الثقافة العولمية التي تساوي بين المواطن والأجنبي في كل أمور الحياة، بما في ذلك الحقوق السياسية. وتلك إشكالية يجب تدارسها الآن قبل فوات الأوان، وإننا نلاحظ حالياً في أغلب دول الخليج -إن لم يكن كلها- تلك الآثار الاقتصادية والثقافية والأخلاقية لذلك الانفتاح الكبير للعمالة الوافدة في المنطقة. بل إن دول الخليج قد وضعت قوانين واضحة لحفظ كرامة وحقوق العامل الوافد أو الموظف الأجنبي، من حيث حقه في الراتب والسكن والمعاملة الحسنة، والحق في السفر حيثما شاء، بل ونوعية الطعام في بعض الأحيان، بل توجد مقار لإيواء الفارين من العمل دونما أسباب, وتلزم تلك القوانين المواطنين بتقديم التذكرة للعامل، حتى وإن لم يكمل مدة العقد وتسفيره بحفظ الله ورعايته، ليبدأ المواطن رحلة الشقاء من جديد مع مكاتب جلب الخدم والتأشيرة وغيرها. في ذات الوقت تفتقد القوانين تأسيس كرامة الإنسان من حيث حقه في القرار السياسي، وطريقة التعاطي مع الأساسيات العامة مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية الرأي؛ ذلك أن أسلوب "التراضي" في العلاقة بين الحاكم والمحكوم لا يسمح بهكذا "قفزات" في التفكير. حيث إن المواطنة تعلم الإنسان الحب والإيثار وتعرفه بحقوقه السياسية، وتنمي لديه القابلية والإصرار للمطالبة بتلك الحقوق. ولكن مع ضغط العولمة التي تأتي بمضامين سلبية هناك من يرى "ضرورة مواجهتها والتصدي لها". نحن نعتقد أن مبادرة معهد البحرين للتنمية السياسية يجب أن تتواصل وتستمر، وأن تخرج ببرامج عمل واقعية تخرجنا من دهشة المصطلح "المواطنة" ومن المواقف السلبية تجاه تأكيد ثقافة المواطنة، ومن الحذر الشديد أو التوجس من وصول المواطن إلى حقوقه الأساسية. ولابد لنا هنا من التأكيد على أن دعم ثقافة المواطنة يتطلب في المقام الأول تضمين مناهج التعليم هذه الثقافة وتدريسها عبر مدرسين مدركين لأهمية المواطنة في المجتمع وضرورتها، وكذلك إعداد برامج إذاعية وتلفزيونية تناقش هذه القضية وتوضحها للناس. وليس من المعقول أن تبقى قضية المواطنة داخل عقول بعض المهمومين بها، أو في توصيات ندوة قد لا تصل إلى الناس؛ وخصوصاً أصحاب القرار. ولعل أولى الخطوات هنا تكمن في وضع الأطر القانونية لثقافة المواطنة، وتنقيح الدساتير والقوانين من أية مواد تنتقص منها.