في هذا الوقت العصيب الذي يتداعى فيه قادة العالم وممثلو الأديان وقادة الفكر والثقافة، ويسعون جاهدين الى مزيد من التقارب والتفاهم والتعاون في بناء جسور التواصل بين الشعوب والأديان والثقافات، بما يعزز القيم الإنسانية المشتركة ويحقق المصالح المشتركة ويغرس قيم التسامح وقبول الآخر واحترام معتقداته وثقافته ورموزه، نفاجأ بحملة صحفية منظمة ومدبرة عن سابق قصد وإصرار لقطع جسور التواصل واستدامة أسباب الصراع وإحياء النزعات العدوانية وترسيخ الكراهية والبغضاء وتأجيج المشاعر التعصبية في كلا الجانبين، الأوروبي والإسلامي، ذلك هو التفسير المنطقي لقيام 17 صحيفة دنماركية بإعادة نشر الرسوم المسيئة والمستفزة للمسلمين، ومن غير أي مبرر إلا التباهي الأجوف والتحجج بحرية الرأي والتعبير. لقد وصل تبجح هؤلاء إلى المساس بالذات الإلهية، وتعددت الإساءات بين فيلم سينمائي ورسوم ساخرة ومضايقات مختلفة ومظاهر مستفزة وسفاهات كثيرة ضد المسلمين هناك. الإساءات إلى ديننا العظيم وإلى نبينا الكريم لها تاريخ طويل، والله حافظ دينه ورافع كرامة ومكانة نبيه ولن يمس تطاولهم الإسلام ونبيه بشيء، وما هم بضارين إلا أنفسهم وكيدهم يعود إليهم خسراناً وندامة وحسرة، وهؤلاء إنما يسيؤون إلى إنسانيتهم وثقافتهم ويهدمون قيم التسامح والعدالة والحرية وحقوق الإنسان بعملهم الأخرق. أما رسولنا الكريم فقد رفع الله مقامه وأعلى مكانته وصان ذِكْره في قوله: (إن شانئك هو الأبتر)، وقد تعرض رسولنا العظيم لإساءات أبلغ من قومه وعشيرته فقال له ربه: (قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون)، ثم طمأن قلبه بقوله تعالى: (ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعاً هو السميع العليم). إذن، الإساءات للإسلام ولرسوله ليست جديدة أو طارئة، بل لها امتدادات تاريخية، لكن لماذا زادت الإساءات مؤخراً؟ كثير من كتابنا يتكلمون اليوم عن تنامي ظاهرة الكراهية ضد المسلمين في أوروبا، وعن صعود اليمين المتطرف، وعن ظاهرة "الإسلامو فوبيا" في الغرب، والحملة ضد "الفاشية الإسلامية".. وهذا كله حقيقة، لكنها للأسف نصف الحقيقة، لأنهم إنما يكتبون عن الظاهرة في سياق لوم الآخر الغربي وتحميله المسؤولية عن كراهية المسلمين، وهم بذلك يتجاهلون مسؤولياتنا ودورنا في نشوء هذه الظاهرة وتناميها. نحن مسؤولون أيضاً، وعلينا أن نعترف بقصورنا عن تطوير خطابنا الإسلامي المتصالح مع العالم والمتلائم مع روح العصر ومعطياته وقيمه، لقد فشلنا في تقديم نموذج إسلامي حداثي يقبله العالم، سواء على مستوى النظام السياسي أو الحقوقي أو الاجتماعي أو حتى الفكري أو السلوكي. نحن وحتى الآن لم نستطع أن نقدم للعالم شيئاً ذا بال، لا على مستوى الفكر، ولا على مستوى الإنتاج والتنمية، ولا على مستوى الأنظمة والوسائل، لا زلنا نعيش عالة على الآخر المتفوق حضارياً، ومع ذلك فنحن الأكثر ضجيجاً والأعلى صراخاً والأعظم مكابرة وعناداً ورفضاً وانفعالاً. كيف يمكن إقناع الأوروبي بعظمة هذا الدين وسمو مقاصده ومبادئه، وهو يرى بأم عينيه الحصاد المر للهجمات الإرهابية، قتلاً وتدميراً؟ كيف يمكن تصحيح صورة الإسلام، ورموز التطرف وأئمته يتبجحون مستشهدين بالنصوص القرآنية؟ كيف يقتنع المواطن الغربي العادي ببراءة الإسلام من الإرهاب وهو يشاهد زعماء التطرف يحتشدون عقب 11 سبتمبر 2001 في ميدان الطرف الأغر ليحتفلوا بـ"العظماء الـ19" الذين غزوا أميركا؟ لقد اهتزت صورة الإسلام في الذهنية الجمعية الغربية، كما لم يحصل من قبل بعد زلزال 11 سبتمبر وتوابعه التي ضربت معظم الدول الغربية، فأصبحت الأرضية المجتمعية مهيأة لقبول طروحات دعاة الكراهية عبر استحضار الموروث العدائي لتوظيفه سياسياً وكسب الشعبية. لقد نسينا أن الغربيين لا يهتمون بما نقوله ونمجده عن مبادئ ديننا ورسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام، لكن يهمهم في الدرجة الأولى ما نفعله ونتعامل به من قيم الإسلام ومبادئه. الغربيون يحكمون على الإسلام من خلالنا، من خلال واقع المسلمين وأوضاعهم وسلوكياتهم وترجمتهم لتلك المبادئ والقيم في بناء مجتمعاتهم وحياتهم. علينا أن نعترف أن إساءات "القاعدة" ورموزها وأئمة التطرف للإسلام أخطر من إساءات متطرفي الغرب. لقد كنا أسوأ محامين لأعدل قضية. لنتذكر وبالتحديد، قبل سنتين، في أعقاب الإساءات الكاريكاتورية الأولى والتي نشرتها صحيفة دانماركية مغمورة، كيف أشعل المسلمون أوروبا احتجاجاً، وكيف حرضت المنابر الدينية الجماهير على امتداد الساحة الإسلامية, وكيف نفخ دعاة الكراهية -عندنا- في نار الصليبية الحاقدة، فقامت الجماهير الغاضبة في معظم الدول الإسلامية بمسيرات ومظاهرات احتجاجية خرجت عن السيطرة فأحرقت الممتلكات واعتدت على سفارات ودمرت وخربت وهددت رعايا دول أجنبية وتسببت في مقتل وجرح أبرياء، واستثمر دعاة الغضب ومحرضو الكراهية الغضب الجماهيري وطالبوا بالمقاطعة الاقتصادية المستمرة. ووظف بعض الرموز الإسلامية هذا الحدث لجمع الأموال والتبرعات تحت شعار "نُصرة الرسول" لتمويل مواقع إلكترونية وبرامج تلفزيونية ودورات تعريفية بالإسلام بلغات عالمية، وكل ذلك بهدف "توضيح صورة الإسلام" للغرب، ثم انفض الجمع ولم يتحقق شيء من الأهداف والوعود المعلنة. ولا ندري أين ذهبت تلك الأموال؟ لكن المؤكد أن صورة الإسلام لا يمكن تصحيحها عبر القنوات والمنابر الإعلامية وحدها، ولو أنفقنا ملء الأرض ذهباً وجندنا الفضائيات والمواقع الإلكترونية والنشرات التعريفية، لا يمكن تصحيح صورة الإسلام عبر الحملات الإعلامية لسبب بسيط، هو أن صورة الإسلام في الغرب، تصنعها صورته في المجتمعات الإسلامية، فصورة الخارج ما هي إلا انعكاس للأصل في الداخل. الاهتمام بتجميل "الصورة" وإهمال "الأصل" لن يفلح في تغيير القناعات لدى الآخر، وستذهب كل الأموال المرصودة سدى، والعجز عن تصحيح الصورة ليس بسبب قلة الفضائيات والمواقع الإلكترونية المخصصة للتعريف بالإسلام، وليس بسبب نقص الإمكانات والموارد، ولكن لأننا -وحتى الآن- عاجزون عن تمثل قيم الإسلام في سلوكياتنا وأوضاعنا عامة. والغرب لا يجهل الإسلام، فعنده أكبر المراكز البحثية، وما أكثر الكتب والدوريات والبرامج عن الإسلام! القضية أننا عاجزون عن ترجمة قوله تعالى: (إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)، ولا يمكن بأي حال إقناع الغربي بأن من فجر نفسه في قطاراته وشوارعه لا يمثل الإسلام، وهو يرى تأييداً وتبريراً له عبر بعض فضائياتنا ومنابرنا الدينية. علينا أن نتعلم من دروس الإساءة الأولى، لقد كانت غوغائية الرد، إساءة لنا، ومع أن الجريدة اعتذرت رسمياً ونشرت الاعتذار في صحفنا بإعلانات مدفوعة، وجاء منسق السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي "خافير سولانا" معتذراً، لكن دعاة الكراهية استمروا في التحريض على المقاطعة الاقتصادية لشعب بأكمله بجريرة البعض، وهناك في الدنمارك تورط بعض المسلمين في توجيه تهديدات بالقتل لبعض الشخصيات، فاستغل اليمين المتطرف تلك الأخطاء ضد المسلمين، ووقفت معظم الصحف الدنماركية متضامنة معهم لمزيد من الإساءات. من هنا علينا عدم تكرار الأخطاء السابقة، الاحتجاج مطلوب، الغضب مشروع، والمسيرات السلمية مشروعة، والإساءة مرفوضة، لكن يجب عدم السماح لدعاة الغضب والكراهية بأن يقودونا للإساءة إلى أنفسنا وللآخرين. علينا تمثّل قول الله تعالى: (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم)، و(خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين).. صدق الله العظيم.