لاشك أن قمة دمشق تواجه ظروفاً بالغة الصعوبة تعوق انعقادها أو نجاحها إن انعقدت، فقد أصبح واضحاً أن ثمة نهجين مطروحين بشأنها يعكسان في الوقت نفسه الانقسام العربي الراهن كأوضح ما يكون. أما النهج الأول فيعتبر حل أزمة الرئاسة اللبنانية شرطاً لا غنى عنه لانعقاد القمة، فلا يمكن تصور مقعد لبنان خالياً فيها، والافتراض هنا أن الدول المخالفة لنهج سوريا في إدارة الأزمة اللبنانية تريد أن تعاقبها بهذه الطريقة على عدم تعاونها في إيجاد مخرج من الأزمة. لاشك أن هذا النهج معيب من أكثر من زاوية، فهو يفترض أولاً أن القمم لابد وأن تعقد بعد حل المشاكل، وهو افتراض غير صحيح، بل إن المتابع لنشأة القمم العربية وتطورها يلاحظ أنها -قبل أن تصبح دورية اعتباراً من2001- ما كانت تعقد إلا لمواجهة مشاكل حادة. صحيح أن بعضها أو حتى كثيراً منها تمتع برفاهية "الإعداد الجيد"، لكن البعض الآخر كان يعقد على نحو فوري تقريباً بغض النظر عن المشاكل التي سبقت انعقاده. عقدت قمة القاهرة في يناير 1964 والخلافات العربية على أشدها بين معسكر التغيير بزعامة مصر والمعسكر المحافظ بزعامة السعودية، وذلك لمواجهة خطر تحويل إسرائيل مياه نهر الأردن، ونجحت القمة على الرغم من كل هذه المشاكل. وعقدت قمة الخرطوم في أغسطس 1967 في ظروف الاستقطاب نفسها إن لم تكن أشد، ومع ذلك تمكنت من أن تصل إلى معادلة صحيحة للأمن القومي العربي. وعقدت قمة القاهرة في سبتمبر 1970 على إيقاع الصدام المروع بين السلطة الأردنية والمقاومة الفلسطينية، ومع ذلك فقد نجحت في وقف نزيف الدماء. صحيح أن دبلوماسية القمة يجب أن يسبقها اتفاق أو ما يشبه الاتفاق الذي يصدِّق عليه القادة أو يضيفون إليه بعض الرتوش، لكنه من الصحيح أيضاً أن تلك الدبلوماسية اخترعت لمواجهة الحالات التي تخفق فيها المستويات الأدنى في التوصل إلى اتفاق، فتحيل الأمر إلى أصحاب القرار النهائي. أما القول بضرورة حضور رئيس للبنان فيمكن الرد عليه بأكثر من ملاحظة، أولاً لأن القمم تنعقد عادة في غياب بعض القادة، ولم يحدث منذ بدأت في 1946 أن حظيت قمة واحدة بحضور كافة الرؤساء العرب، بل إن قمة بيروت 2002 قد شهدت غياباً قسرياً لأحد القادة العرب، وهو ياسر عرفات، الذي حاصرته سلطات الاحتلال الإسرائيلي في مقره. وثانياً لأن الدستور اللبناني ينيط وفقاً لمادته62 مهمة الرئاسة بمجلس الوزراء، ولذا فإنه يتعين على سوريا أن توجه دعوة للقائم بأعمال الرئاسة -أي لمجلس الوزراء- الذي يستطيع أن يختار من يشاء لتمثيل لبنان في القمة إذا استمر كرسي الرئاسة شاغراً، أما القول إن سوريا لا تعترف بشرعية الحكومة اللبنانية الحالية فيمكن الرد عليه بدوره بأنها -أي سوريا- ملزمة كدولة مضيفة للقمة بتوجيه الدعوات لكافة الدول العربية. هذا النهج ثانياً ينطوي على ترتيب غير سليم للأولويات في جدول أعمال القمة، فالأزمة اللبنانية على أهميتها ليست القضية المحورية الأولى التي يجب أن تنشغل بها قمة دمشق، وإنما هذه القضية بلا جدال هي القضية الفلسطينية التي تشهد الآن تطورات بالغة الخطورة، بدءاً من الصدام المؤسف بين "حماس" و"فتح" وتداعياته وانتهاءً بحصار غزة وجرائم الحرب الإسرائيلية فيها، وبالتأكيد فإن العراق يمثل بدوره قضية أهم من القضية اللبنانية في هذا السياق، بينما تأتي هذه القضية في شريحة ثانية يمكن أن يضم إليها الوضع في السودان. ويعني ذلك أن سيادة النهج الذي يربط انعقاد القمة بضرورة التوصل إلى حل لأزمة الرئاسة اللبنانية يمنع القمة -على أساس أنها لا يجب أن تنعقد وفقاً لأنصار هذا النهج- من النظر في قضايا أخطر من الأزمة اللبنانية، خاصة على ضوء التصعيد الأميركي الأخير في المياه الدولية المتاخمة للمياه الإقليمية اللبنانية، وهو تصعيد ينذر باحتمالات مواجهة خطيرة في المنطقة خاصة على ضوء تداعيات اغتيال قائد المقاومة البارز في "حزب الله" عماد مغنية، والأعمال الحربية الإجرامية الإسرائيلية الراهنة في قطاع غزة، الأمر الذي يعزز ضرورة انعقاد القمة بل والتعجيل بها، إن أمكن. ويمكن أن ينسب إلى هذا النهج من ناحية ثالثة أنه ينظر إلى سوريا باعتبارها الطرف الذي يعطل الحل في لبنان، وهو أمر قد يكون صحيحاً وإن على نحو جزئي، والصحيح أن كافة الأطراف المعنية عطلت الحل في السابق، أو تعطله الآن بشكل أو بآخر، لأن أبعاد الأزمة في لبنان تنطوي على مصالح محلية وعربية وإقليمية وعالمية أكثر تعقيداً من أن تكون لسوريا وحدها اليد العليا فيها. وأخيراً وليس آخراً، هذا النهج سيحرم العمل العربي المشترك من قمة تُتابع قرارات قمة الرياض 2007 التي لاشك أن بعضها قد مهَّد الطريق لتحقيق نقلة في السياسات العربية تجاه قضايا حساسة، كقضية الأمن القومي العربي، والسياسة العربية تجاه مسألة منع الانتشار النووي في المنطقة، ولأن بعض هذه القرارات قد صادفته صعوبات فمن الواجب أن تنظر قمة دمشق في ذلك. لا يعني ما سبق أن النهج الثاني المقابل لنهج الربط بين قمة دمشق وحل أزمة الرئاسة اللبنانية خالٍ من العيوب، فهو بدوره نهج مأزوم، ويُبنى هذا النهج على أساس أن القمم عادة ما تعقد بمن حضر، وبالتالي فلن يكون التلويح بالغياب عن القمة أو تدني التمثيل فيها مهمّاً إلى الدرجة التي تجعل سوريا تغير نهجها في لبنان أو غيره. يعيب هذا النهج أنه غير مهتم أولاً بقمة فاعلة قوية، لأننا إن تصورنا غياب تمثيل دول بحجم مصر أو السعودية وغيرهما أو تدنيه فإن هذا سوف يعني ببساطة أننا نقول وداعاً لقمة فاعلة في دمشق، وتتفاقم تداعيات هذا النهج بسبب احتمالات تطور المواجهة في المنطقة إلى صدام مسلح لا نعرف توقيت حدوثه أو درجة شدته أو مدى اتساع نطاقه، لكننا نكاد نكون واثقين من أنه سيقع حتماً. وهذا النهج ثانياً يهدد بتفاقم الانقسامات العربية وتبلور استقطاب عربي حاد، ونظراً لأن الغياب أو تدني التمثيل في قمة دمشق مرجح من قبل "دول الاعتدال العربي" فإن ثمة احتمالاً في أن تصل هذه القمة إلى قرارات متشددة لا تعبر عن مجمل النظام العربي كما حدث في قمة القاهرة 1990 في أعقاب غزو الكويت، وبالتالي لن يكون لقمة دمشق من أثر سوى مفاقمة الانقسامات العربية. يتعين علينا إذن أن نبني جسراً بين النهجين: فلنعمل لانتخاب رئيس للبنان وكأن القمة تعقد غداً، فإن لم ننجح سوف تكون القمة في حد ذاتها مسرحاً مناسباً لمحاولة تجاوز هذا الفشل، وبالتالي يصبح الغياب أو تدني التمثيل بلا معنى، وخاصة أن الوضع في فلسطين أو المنطقة ككل ينطوي على احتمالات خطيرة كما سبقت الإشارة يحسن معها للقادة العرب أن يفكروا فيما هو آتٍ، ويحاولوا بلورة رؤية استراتيجية للمواجهة. من ناحية أخرى يتعين على الدبلوماسية السورية ألا تستخف كثيراً باحتمالات الغياب عن القمة أو تدني التمثيل فيها، لأنه ليس من صالح سوريا أو العمل العربي المشترك أن تعقد في دمشق -التي تستضيف القمة العربية للمرة الأولى- قمة عربية فاشلة أو على الأقل غير فاعلة. يبقى السؤال في النهاية: هل بقي لدينا شيء من الرشادة يجعلنا نفكر في القمة العربية بعيداً عن الصراعات البينية العربية؟ ذلك أن منطق وجود القمم العربية هو مواجهة الخطر الخارجي، وليس الانحياز في صراع عربي داخلي إلى هذا الطرف أو ذاك.